
تثير التغيّرات الميدانية والسياسية في سوريا، بعد اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ونظيره الأميركي دونالد ترامب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، تساؤلات عديدة حول دور هذا اللقاء في رسم ملامح المرحلة المقبلة. ويبرز من بين تلك التغيّرات، خصوصاً، التركيز المتزايد على ملف «الإدارة الذاتية» الذي تقوده «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من جهة، والاستعراض الإسرائيلي المتواصل في الجنوب السوري الخاضع لسيطرة الاحتلال من جهة أخرى.
اللقاء الذي أغدق فيه الرئيس الأميركي المديح على نظيره التركي، واعتبره الشخص الذي «حقّق النصر في سوريا وأسقط الأسد»، تبعته تحرّكات عسكرية على خطوط التماس مع «قسد» في ريف حلب، حيث تشهد المنطقة تصعيداً متواصلاً، توازياً مع الاستهدافات المتبادلة بين الطرفين. وفي هذا السياق، أنشأت القوات التركية قاعدة عسكرية في مطار كويرس العسكري في ريف حلب، تضمّ منظومات دفاع جوي ومروحيات وآليات ثقيلة، كما استقدمت فصائلَ من «الجيش الوطني» التابع لها، الذي ما زال يحافظ على كيانه المستقل عن وزارة الدفاع الناشئة.
وبينما يُنظر إلى التحشيد العسكري التركي المستمر في الشمال السوري بوصفه جزءاً من حملة الضغط المستمرة على «قسد»، بهدف دفعها إلى الاندماج ضمن السلطات الانتقالية، بموجب الاتفاقية الموقَّعة بين الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وقائد «قسد» مظلوم عبدي، في العاشر من آذار الماضي، يواصل عبدي الإصرار على حماية «الإدارة الذاتية» وإقامة نظام لا مركزي في سوريا، وهو طرح يرفضه الشرع ومن ورائه تركيا.
وفي هذا الإطار، تشير مصادر ميدانية إلى أن الأوضاع على الأرض قد تشهد تصعيداً في الفترة المقبلة، ولا سيما أن الضغوط التركية تكثّفت عقب لقاء إردوغان – ترامب، وبعد التغييرات الكبيرة التي أجراها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير الأميركي في أنقرة، توماس برّاك، في صفوف الطاقم الدبلوماسي الأميركي المعنيّ بالملف السوري (منصة إسطنبول)، والتي شملت إنهاء تكليف عدد من مسؤولي الطاقم المقرّبين من «قسد».
يُعدّ الرد غير المباشر من قبل وزارة الخارجية السورية أول تصادم غير مباشر مع الإدارة الأميركية
وفي ظل هذه الظروف، تشير المصادر إلى أن «قسد لا ترغب في خوض أي معركة مع تركيا، وأنها تعوِّل على الحوار السياسي للتوصّل إلى حلول مرضية لجميع الأطراف، شرط ألّا تؤدي هذه الحلول إلى إنهاء الإدارة الذاتية أو إقامة نظام شديد المركزية». وتوضح المصادر أن هذا الملف «تتمّ مناقشته على أكثر من طاولة دولية، من بينها فرنسا، التي قد تلعب دوراً أكبر في ملف شمال شرقي سوريا».
بموازاة ذلك، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تسجيلاً مصوّراً يظهر مجموعة من جنود الاحتلال وهم يرفعون العلم الإسرائيلي في ساحة مدينة القنيطرة، في المنطقة نفسها التي شهدت قيام الرئيس الراحل، حافظ الأسد، برفع العلم السوري بعد استرجاع القنيطرة من الاحتلال الإسرائيلي إثر حرب تشرين عام 1973. وأكّد مدير الإعلام في محافظة القنيطرة، محمد السعيد، في تصريحات إلى وسائل إعلام سورية، صحّة التسجيل، الذي تزامن مع اللقاء الذي جمع ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي خُصّص لمناقشة «خطة ترامب» حول ملف قطاع غزة.
وجاء هذا اللقاء بعد فشل التوصّل إلى اتفاقية أمنية بين السلطات الانتقالية السورية وإسرائيل، والذي عُزي إلى إصرار الأخيرة على إضافة بند جديد إلى طرحها يقضي بفتح طريق يربط بين الأراضي المحتلة ومحافظة السويداء. كذلك، شهد اللقاء تأكيد ترامب موقفه الداعم لإسرائيل، بما شمل التذكير باعترافه، خلال ولايته الأولى عام 2019، بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، وهو ما ردّت عليه وزارة الخارجية في الحكومة الانتقالية، بنشر قرار مجلس الأمن الرقم 497 لعام 1981، الذي يؤكد سوريّة الجولان ويطالب الاحتلال بالانسحاب منه، في ما يمكن النظر إليه باعتباره مناورة جديدة من قبل هذه السلطة.
ويأتي ذلك في ظل التسريبات الإعلامية الإسرائيلية التي تتحدّث عن ضرورة التوصّل إلى تفاهم حول الملف السوري مع تركيا، باعتبارها اللاعب الفعلي فيه. ويصبّ هذا الحديث أيضاً في بوتقة الشكوك المتزايدة حول وجود اتفاق تركي - أميركي غير مُعلن حول المستقبل القريب للملف السوري، بما فيه مستويات نفوذ الدول والقوى المتصارعة فيه وعليه، وبشكل خاص تركيا وإسرائيل.
وفي خضمّ كل تلك التطورات، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية التزامها بتقليص مهمتها العسكرية في العراق، مع تركيزها على محاربة تنظيم «داعش» في سوريا. ونقلت وكالة «رويترز»، أمس، عن مسؤول أميركي، أنه بموجب الخطة، ستركّز الولايات المتحدة وأعضاء التحالف على محاربة «فلول تنظيم داعش» في سوريا، وستنقل معظم أفرادها إلى إقليم كردستان العراق لتنفيذ تلك المهمة.
وتأتي هذه الخطة الأميركية الجديدة بالتزامن مع مساعي تركيا والسلطات الانتقالية في سوريا للانخراط في التحالف الذي تقوده واشنطن ضد «داعش»، الأمر الذي تحاول عن طريقه أنقرة إنهاء اعتماد واشنطن الأحادي على «قسد» في هذا الملف، ما يعني مزيداً من الضغوط على «الإدارة الذاتية».

