ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

عمران دمشق: شيخوخة مبكرة

سوريا
حفظ المقالة

دمشق تغرق في شيخوخة عمرانية مزمنة بعد عقود من الركود، بين فوضى البناء وتراجع اخضرار الغوطة، فيما يبقى الإعمار رهين غياب رؤية حقيقية للتجديد.

رمضان الحكيم
رمضان الحكيم
السبت 11 تشرين اول 2025
التجمعات السكنية داخل العاصمة أو عند أطرافها شهدت توسعاً كبيراً في الأبنية المخالفة (من الويب)
التجمعات السكنية داخل العاصمة أو عند أطرافها شهدت توسعاً كبيراً في الأبنية المخالفة (من الويب)
الخط


من يزُر دمشق بعد غياب طويل، سرعان ما يدرك أن الزمن توقّف فيها منذ مدة بعيدة. المدينة لم تتغيّر كثيراً منذ بدايات الحرب، بل ربما شاخت أكثر، أو كأنها استسلمت لتعبها المزمن: الأبنية ذاتها، الشوارع المألوفة، والأرصفة التي لم تعرف التجديد منذ عقود. وحده الغبار تغيّر لونه، وصار أكثر التصاقاً بوجوه الحجارة والإسمنت.

القادم إلى العاصمة عبر مطار بيروت، لن تفاجئه أي لمسة جديدة على امتداد الطريق من المصنع حتى مدخل دمشق. سيجد المشهد نفسه الذي تركه قبل سنوات طويلة: بلدات نصفها مُدمّر، وأخرى مُجهَدة. وعلى بعد أمتار من مدخل المدينة، بعد تجاوز مقرّ «الفرقة الرابعة» الشهير، تظهر بقايا المعضمية وداريا كمتحف للحرب المفتوحة، تتناثر فيه الأبنية المُهدّمة والواجهات المحروقة؛ ثم تمتد أمامه مساكن السومرية، خالية ومتعبة، كأنها تتأمّل مصيرها بصمت.

أما عمارات المزّة التي تجاوز عمرها 4 عقود، فلا تزال تنتصب على جانبَي الأوتوستراد الطويل، متشبّثة بمكانها بلا حياة جديدة. وحدها بعض المطاعم غيّرت واجهاتها، حتى غطّت على لافتة «اتحاد الكتّاب العرب». ولا يملك الزائر سوى أن يتساءل إن كانت دمشق فعلاً صارت «العاصمة الأقدم» في العالم الحديث، لا من حيث التاريخ، بل من حيث العمران.

المشهد ذاته يتكرر على الطريق الطويل الذي يربط المطار بالمدينة، والذي لم يعرف هو الآخر لمسة تأهيل واحدة. الأشجار التي كانت خضراء ذات يوم هرمت، والمطاعم التي استعادت عملها بعد الجسر الرابع تحاول أن تبثّ بعض الحياة في طريق فقد حيويته منذ زمن. أما أبنية جرمانا الحديثة نسبياً، فهي الاستثناء الوحيد.

مدينة بلا إزميل

من قمة جبل قاسيون، يمكن رؤية كل شيء تقريباً. لكن ما يلفت النظر ليس ما بُني، بل ما لم يُبنَ، إذ لم يُضرب «إزميل» واحد في المدينة منذ عقود. فباستثناء فندق «الفورسيزنز» الذي ينتصب كجسم غريب وسط محيط متجانس، وبعض المطاعم والفنادق الصغيرة التي ظهرت في حارات الشام القديمة، لم تشهد المدينة أيّ تحوّل عمراني حقيقي، بل تحوّلت إلى متحف للحجر والذاكرة، وإلى مدينة تقاوم التحديث بقدر ما يقاوم جسدٌ الشيخوخة.

يقول أدهم، وهو من أبناء الغوطة الشرقية، في حديث إلى «الأخبار»، إنه «طيلة السنوات السابقة، قبل الحرب وخلالها، حلّت آلاف الأبنية مكان أشجار المشمش والخوخ والتفاح. الغوطة التي كانت سلّة غذاء العاصمة تحوّلت إلى غابة من الإسمنت». ويضيف: «تجارة العقارات تفوّقت على الزراعة، وبعد عام 2013 دُمّرت مساحات واسعة من الأراضي بفعل المعارك، فازدادت الفوضى، وتراجع الإنتاج، وغابت ملامح الريف عن محيط العاصمة».

ويشير المهندس المعماري، حسن الخالدي، بدوره، إلى أن «ازدهار البناء في محيط دمشق لم يكن علامة تطوّر، بل تكريس للعشوائية. من مشروع دُمّر إلى ضاحية قدسيا، مروراً بكفرسوسة وبرزة البلد، نما عمران العاصمة الكبرى بلا رؤية موحّدة. كل منطقة خُطِّطت بمعزل عن الأخرى، وكل بناء اتّخذ شكله وهويته الخاصّيْن».

الإعمار الحقيقي لا يبدأ من رفع الركام، بل من إعادة صياغة الرؤية العمرانية والاقتصادية

ويخلص إلى أن «دمشق اليوم من أكثر العواصم تنافراً عمرانياً ووظيفياً في العالم».
في بدايات الألفية الجديدة، حاولت المدينة ركوب «قطار التطوير العقاري»، إذ طرحت الحكومة حينها مشاريع طموحة مثل تطوير وسط المدينة بالتعاون مع شركة «الديار» القطرية، ومشروع البرجين التجاريين في البرامكة الذي تولّته شركة «سوريا القابضة». لكنّ الحرب أوقفت كل شيء؛ فعُلّقت أعمال الحفر، وانسحب المستثمرون، وتحوّل الطموح إلى أطلال.

وعام 2012، أعلنت الحكومة عن مشروع لتنظيم منطقة بساتين المزّة والمنطقة الواقعة خلف مستشفى الرازي، كان يُفترض أن يفتح باباً للتحديث، لكنه تعثّر سريعاً بسبب سوء التخطيط والتنفيذ، ثم توقّف تماماً لسنوات. ولم يشهد نشاطاً حقيقياً إلا في الآونة الأخيرة، حيث تعيش البلاد فوضى سياسية واقتصادية كاملة.

شيخوخة الإسمنت

لا تتوافر إحصاءات حديثة عن متوسط عمر المساكن في العاصمة والمحافظات، لكنّ آخر البيانات الرسمية يعود إلى تعداد السكان لعام 2004، حين بلغ متوسط عمر المساكن في دمشق نحو 28 سنة، وفي السويداء 25 سنة، وفي اللاذقية 23 سنة. وإذا أضفنا عقدين من الركود، فإن متوسط العمر اليوم يقترب من 50 عاماً، في بلد لم يعرف الترميم الشامل منذ أكثر من جيل.

وعلى الرغم من أن البناء لم يتوقّف كلياً في بعض الضواحي، من مثل صحنايا وجرمانا وقدسيا وجديدة عرطوز، إلا أن هذا النشاط ظلّ عشوائياً وغير متوازن. فالمخطّطات التنظيمية كانت قاصرة، والمجالس المحلية بدت عاجزة عن تأمين الخدمات الأساسية. ومع تزايد أعداد النازحين من المحافظات الأخرى، ارتفع الطلب على السكن بشكل جنوني، فارتفعت الأسعار، وتحوّل البناء إلى ملاذ لتجميد الأموال، لا إلى استثمار إنتاجي أو تنموي.

والنتيجة كانت خللاً ديموغرافياً واضحاً، وضغطاً هائلاً على البنى التحتية والمرافق الخدمية، أدّى إلى شحّ المياه، وغياب الكهرباء، وترهّل النقل العام. ومع كل مبنى جديد، كانت تتراجع قطعة من الأرض الزراعية، ويتآكل ما تبقّى من الغوطة الخضراء.

من الزراعة إلى الإسمنت

تشير الصور الفضائية المُلتقطة لغالبية المناطق السورية إلى أن جميع التجمعات السكنية، سواء داخل العاصمة أو عند أطرافها، شهدت توسّعاً كبيراً في الأبنية المخالفة خلال سنوات الحرب، إذ إن جزءاً واسعاً من هذه الأبنية أُقيم على أراضٍ زراعية من دون ترخيص، ما جعل الخطر لا يقتصر على العشوائية العمرانية، بل يمتد إلى الأمن الغذائي نفسه.

هذه الفوضى وضعت الإدارة الجديدة للبلاد أمام معضلة صعبة؛ فالتغاضي عن تلك المخالفات يعني تكريس واقع عمراني فاسد، أمّا معالجتها بالقوانين القديمة فتعني هدم آلاف المنازل وخسارة مليارات الليرات التي استُثمرت فيها. وبين هذين الخيارين المرهِقين، تبقى دمشق مدينة تائهة بين إرثها الحضاري العريق وواقعها العمراني المتهالك، الذي لا تنفع معه بعض اللمسات التجميلية أو التصريحات السياسية.

ما بعد الشيخوخة

مع ذلك، بقيت دمشق، وغيرها من المدن والتجمعات السكانية التي ظلت بعيدة عن خراب الحرب، بأبنيتها وأسواقها وشوارعها، تحتفظ بجمالية ما. فالشيخوخة الجميلة في النهاية هي التي «تتقبّل الذات، وتحتضن التغييرات التي تحدث فيها كجزء طبيعي وجميل من التطور».
ربما يكون التحدّي الأكبر في المرحلة المقبلة هو استعادة العلاقة بين المدينة وسكانها؛ إذ إن الإعمار الحقيقي لا يبدأ من رفع الركام، بل من إعادة صياغة الرؤية العمرانية والاقتصادية التي تجعل من السكن والخدمات جزءاً من مشروع حياة جديدة، لا مجرّد جدران قائمة على الخراب.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك