ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

قفزات حرّة نحو تحرير الاقتصاد: «العدالة الاجتماعية» منسيّة

سوريا
حفظ المقالة

تندفع الحكومة الانتقالية السورية في تطبيق تحرير اقتصادي صادم يتجاهل العدالة الاجتماعية، ويعمّق الارتهان لوصفات «البنك الدولي».

الأخبار
السبت 8 تشرين الثاني 2025
أكّد وزير المالية السوري أن بلاده تعمل على «برنامج شامل لإصلاح قطاع الكهرباء بدعم من منحة خلال الأشهر المقبلة» (أ ف ب)
أكّد وزير المالية السوري أن بلاده تعمل على «برنامج شامل لإصلاح قطاع الكهرباء بدعم من منحة خلال الأشهر المقبلة» (أ ف ب)
الخط

دمشق | في الوقت الذي تؤكّد فيه الحكومة الانتقالية السورية أنها لن تنجرّ إلى فخّ الاقتراض الخارجي، تبدو خطواتها العملية، في الأشهر الأخيرة، وكأنّها تمضي بسرعة غير مسبوقة في تنفيذ سياسات «إصلاح» اقتصادي تفوق في حدّتها وتوقيتها ما دأبت على الدعوة إليه مؤسسات التمويل الدولية نفسها. وبينما تتحدّث بياناتها الرسمية عن «انفتاح مدروس» على «تطبيق الاقتصاد الحرّ التنافسي»، تكشف الإجراءات الميدانية أن دمشق الانتقالية قد تجاوزت، بالفعل، أكثر وصفات التحرير الاقتصادي تشدّداً، إلى درجة وصفتها مصادر مطّلعة بـ»الصدمة غير المتوقّعة»، حتى لدى خبراء «البنك الدولي»، خاصة بعد إقرارها الزيادة المفاجئة في أسعار الكهرباء، بنسبة فاقت التقديرات التي اقترحها خبراء المؤسّسة أنفسهم.

على أن هذا الانفتاح لا يتناقض مع خطاب «التحفّظ المالي» الذي تتبنّاه الحكومة، بل يشكّل في الواقع امتداداً له، ضمن مقاربة جديدة تقوم على تبنّي الشروط «الإصلاحية» الدولية، من دون اقتراض مباشر، أي تطبيق الوصفات كاملة من غير الدخول في التزامات تمويلية رسمية. وشكّل التحفيز المالي الذي وفّرته كلّ من السعودية وقطر عبر تسديد المتأخرات السورية للمؤسستَين، والتي بلغت نحو 15 مليون دولار، بداية عودة التواصل الرسمي بين دمشق والمقرّين الماليين الأكثر نفوذاً في العالم.

زيادة في الامتثال

وخلال اجتماعات الخريف الأخيرة لـ»صندوق النقد» و»البنك» الدوليَّيْن، أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، التوصّل إلى تفاهمات جديدة مع المؤسستَين، شملت استقبال بعثة فنية من «الصندوق»، خلال ستة أشهر، لإعداد تقييم شامل للوضعَين المالي والاقتصادي، إضافة إلى ستّ بعثات فنية من «البنك» لتغطية قطاعات الطاقة والمياه والتعليم والصحة والنقل والإدارة المالية. ووضعت هذه التفاهمات، على رغم طابعها الفني، كلتا المؤسستيَن على تماس مباشر مع القطاعات الأساسية في سوريا، بما يتيح لهما التأثير العملي في رسم الخطوط العامة للسياسات الاقتصادية في المرحلة الانتقالية.

أمّا في الجوهر، فلا يخرج الإطار العام لهذه التفاهمات عن المدرسة التقليدية للمؤسستَين، والقائمة على تحرير الاقتصاد، وإعادة هيكلة الدولة، وتقليص حضورها الإنتاجي لمصلحة القطاع الخاص. لكنّ المفارقة أن الحكومة الانتقالية ذهبت أبعد من هذه المقاربة، متجاوزة ما يُعرف عادة بـ»فترة التهيئة» التي ترافق تطبيق برامج الإصلاح في الدول الخارجة من الحرب. وبدلاً من اعتماد نهج تدريجي متوازن، نفّذت دمشق الانتقالية خطوات تُصنّف، حتى بمعايير «البنك الدولي»، على أنها قفزات حرّة نحو التحرير الكامل. ففي غضون أشهر قليلة، أوقفت الحكومة عمل معظم الشركات الصناعية العامة، وخفّضت الإنفاق الاستثماري إلى الحدّ الأدنى، كما سرّحت آلاف العمال أو دفعتهم إلى الاستقالة الطوعية، وحلّت مؤسسات اقتصادية من دون دراسات جدوى أو تقييم للأثر الاجتماعي. وعلى الصعيد المعيشي، رفعت أسعار المشتقات النفطية إلى مستويات السوق العالمية تقريباً، وزادت سعر الخبز بأكثر من عشرة أضعاف، قبل أن تُقدِم على قرار اعتبره اقتصاديون غير مسبوق حتى بمعايير «الصندوق» و»البنك»، وهو رفع تعرفة الكهرباء بنسبة فاقت قدرة غالبية الأُسر السورية، ما أدّى عمليّاً إلى خروج الطبقات الاجتماعية الفقيرة وذات الدخل المحدود من نطاق الاستهلاك المنزلي الأدنى للطاقة.

تمّ تطبيق الوصفات الدولية دفعة واحدة، وفي بيئة اجتماعية منهارة

وتزامن ذلك مع إعلان «البنك الدولي»، في حزيران الماضي، عن منحة بقيمة 146 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء في سوريا، في خطوة فسّرها بعض المراقبين على أنها منحة تحفيزية أو «طعم إصلاحي» أكثر منها مساعدة مالية مباشرة؛ علماً أن «البنك» لا يمنح عادةً تمويلاً بهذا الحجم لقطاع لم يعَد تأهيله بعد، إلّا إذا تلقّى إشارات قويّة من الحكومة تؤكّد التزامها بالتحرير الكامل للأسعار، وهو ما حصل بالفعل.
وأكّد وزير المالية السوري، عقب الاجتماعات الأخيرة، أن بلاده تعمل على «برنامج شامل لإصلاح قطاع الكهرباء بدعم من منحة خلال الأشهر المقبلة»، مضيفاً أن هناك تفاهمات لتمويل مشاريع أخرى بمنح تصل إلى نحو مليار دولار خلال ثلاث سنوات. وتوحي هذه الصيغة بأن العلاقة الجديدة مع المؤسستَين تقوم على تبادل الإشارات لا العقود، مع تطبيق صارم للوصفات مقابل دعم رمزي مشروط.

تجربة متباينة

ليست هذه أول تجربة لسوريا مع المؤسستَين؛ فقد شهدت العلاقة بينهما ثلاث مراحل تاريخية رئيسة: الأولى تميّزت بالانقطاع المتكرّر منذ الاستقلال وحتى نهاية القرن الماضي، والثانية ترافقت مع قروض محدودة لم تؤثّر فعلياً في السياسات الاقتصادية، أمّا الثالثة فكانت مرحلة التعاون الفني مطلع الألفية، حين شاركت دمشق في برامج استشارية لإصلاح الإدارة المالية والتعليم، لكنها توقّفت عند الخطوط الحمر الاجتماعية. أمّا اليوم، فإن المشهد انقلب رأساً على عقب؛ ذلك أن الحكومة الانتقالية تبدو أكثر استعداداً لتجاوز تلك الخطوط، بل هي تفوّقت في جرأتها على المؤسستَين نفسَيهما، متبنّية سياسة «التحرير الصادم» من دون ضمانات أو شبكات أمان اجتماعية.
وبالمقارنة مع غيرها من التجارب، لم تجرؤ حتى الحكومات التي خضعت بالكامل لبرامج «صندوق النقد»، على رفع الأسعار بهذه السرعة. ففي مصر مثلاً، تمّ رفع الدعم تدريجياً على مدى خمس سنوات ضمن برنامج مُراقب بدقّة، وفي لبنان والعراق جرى الربط بين كل خطوة مالية وإجراءات حماية اجتماعية ولو شكلية. أمّا في سوريا، فقد تمّ تطبيق الوصفات الدولية دفعة واحدة، وفي بيئة اجتماعية مُنهارة، ومن دون أيّ توازن بين الإصلاح المالي والاستقرار المعيشي.

ومع أن الحكومة تصرّ على أنها ترفض الاقتراض الخارجي حفاظاً على السيادة الاقتصادية، إلّا أن مضمون سياساتها يشير إلى ارتهانٍ فعلي للمنهج الدولي في إدارة الاقتصاد، من دون أيّ نقاش وطني حول بدائله. فالمسألة، في النهاية، ليست في القروض نفسها، بل في الفلسفة التي تحكم عملية الإصلاح. فلسفةٌ ترى أن ضبط الأرقام أهمّ من معيشة الناس، وأن تحقيق «الانضباط المالي» يمكن أن يسبق «العدالة الاجتماعية». وبهذا المعنى، لم تَعُد الحكومة الانتقالية تنتظر بعثات «البنك الدولي» و»صندوق النقد» لتبدأ «الإصلاح»، بل سبقتهما إليه، وبمستويات من الصرامة لم يكن أكثر المتشدّدين في المؤسستَين ليتوقّعها.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك