
دمشق | منذ اللحظة التي فرضت فيها شركتا الاتصالات الخليوية احتكارهما شبه الكامل للسوق السورية، لم يُسجّل أنهما تحمّلتا، ولو مرّة واحدة، أيّ جزء من فروقات ارتفاع تكاليف التشغيل أو تقلّبات أسعار الطاقة، مثلما تفعل عادة الشركات الكبرى في الأسواق التنافسية حفاظاً على سمعتها واستقرار علاقتها مع المستهلكين. فعلى العكس تماماً، كانت أيّ زيادة في أسعار حوامل الطاقة أو تكاليف التشغيل، تترجَم تلقائياً إلى مطالبات من الشركتين برفع أسعار خدماتهما، وهي مطالبات كانت تجد طريقها غالباً إلى الموافقة. ومع مرور الوقت، تحوّلت ذريعة «تغطية التكاليف» إلى ما يشبه شمّاعة جاهزة لتبرير كلّ زيادة في الأسعار، سواء جاءت بطلب مباشر من الشركتين أو بمبادرة صامتة تمّ تمريرها ضمن سياسات قطاع الاتصالات.
لكن المتابع الفعلي لهذا القطاع، يدرك أن الدافع الحقيقي خلف موجات رفع الأسعار لم يكن مرتبطاً حصراً بارتفاع التكاليف، بل بقناعة راسخة لدى الجهات المشرفة بأن الخدمة الخلوية يجب أن تعامَل كسوق محرَّرة بالكامل؛ كما يعي أن الهدف الأساسي من الزيادات هو ضمان تدفّق أكبر قدر ممكن من الإيرادات والأرباح، بغض النظر عن جودة الخدمة أو مستوى رضى المستخدمين. على أن هذه المقاربة ليست معزولة عن واقع المالية العامة للدولة؛ فمع انقطاع صادرات النفط منذ منتصف عام 2011، تحوّلت عائدات الاتصالات، ولا سيما الخليوية، إلى المصدر الأول وربّما الأهم لرفد الخزينة بالإيرادات، ما جعل لأيّ زيادة في أسعار الخدمات انعكاساً مباشراً على حصّة الحكومة، وبالتالي على قدرتها على تمويل نفقاتها الأساسية. في المقابل، تذهب الحصة الأخرى من الأرباح إلى المالك الأكبر، في ما يمثّل ملفّاً تتبدّل فيه الأسماء والواجهات، لكنه يبقى معروفاً بالنسبة إلى الرأي العام، الذي يتابع من كثب قطاع الاتصالات وما يحمله من ارتباطات مع مراكز النفوذ الاقتصادية والسياسية.
وتُظهر البيانات المالية المنشورة لشركتَي الخليوي عن النصف الأول من العام الحالي، صورة واضحة عن الوضع المالي المطَمئن للشركتين. إذ تجاوزت إيراداتهما الإجمالية حاجز 2735 مليار ليرة سورية، بصافي ربح قبل الضريبة يزيد على 753 مليار ليرة، في حين بلغت حصة الحكومة خلال الفترة ذاتها، نحو 552.6 مليار ليرة. وتلك أرقام تعكس بوضوح حقيقة أن سياسة التسعير الجديدة لم تكن نتيجة ضغط مالي يهدّد استمرارية الشركات، بل تأكيداً لنهج ثابت يهدف إلى عدم المساس بمستوى الإيرادات والأرباح مهما تغيّرت الظروف التشغيلية أو الاقتصادية. وممّا زاد الطين بلّة بالنسبة إلى المواطنين، أن الزيادة الأخيرة تمسّ زبائن الخطوط المسبقة الدفع، التي تُظهر بيانات الشركتين أن إيراداتها بلغت حوالى 1972 مليار ليرة خلال المدّة المذكورة سابقاً، في حين أن إيرادات الخطوط اللاحقة الدفع لم تتجاوز 243 مليار ليرة، وهو ما يؤشر إلى أن الزبائن يعتمدون على الخطوط المسبقة الدفع للتحكّم في إنفاقهم على الاتصالات، فكيف الآن وقد تم إلغاء بعض البطاقات ورفع أسعار أخرى؟
هذا الواقع، بالإضافة إلى الطبيعة الاحتكارية لعمل الشركتَين منذ تأسيسهما، أسهما في إضعاف الثقة الشعبية بأدائهما وبكلّ ما تعلنانه من تبريرات أو خطط. ذلك أن سنوات طويلة من فرض أسعار مرتفعة مقابل خدمات تتراجع جودتها، ومن غياب الشفافية، جعلت أي زيادة في الأسعار تُستقبل شعبياً وإعلامياً بموجة من التشكيك والانتقاد. كما إن البيانات المالية الرسمية نفسها كثيراً ما كانت تقطع الطريق على الحجج التي تقدّمها الشركتان؛ فعلى سبيل المثال، عقب الزيادة الأخيرة التي جاءت بعد رفع أسعار الكهرباء، أظهرت بيانات شركة «سيريتل» أن إجمالي ما دفعته على الكهرباء والإيجار وتشغيل الأبراج بلغ نحو 81.720 مليار ليرة خلال النصف الأول من العام، أي ما نسبته 12% فقط من مصاريف التشغيل البالغة نحو 673.6 مليار ليرة. وتثير هذه النسبة المتواضعة سؤالاً مشروعاً، مفاده: إذا كانت كلفة الكهرباء وكلف أخرى لا تتجاوز هذا الحدّ، فما الذي يبرّر تلك الزيادة الكبيرة، خصوصاً أن الشركتين أعلنتا سابقاً اعتمادهما الواسع على الطاقة الشمسية لتشغيل عدد كبير من المواقع والمحطات؟ الظاهر أنهما تريدان التوسع في أعمالهما اعتماداً على جيوب الزبائن، وليس عبر ضخّ استثمارات جديدة تُسترد بعد فترة من استثمارها.
ولم يقتصر الجدل على تصريحات الشركات نفسها، إذ أصدرت وزارة الاتصالات بياناً حاولت فيه النأي بنفسها عن قرار الرفع، مؤكدة أنها غير مسؤولة عنه، وأنها ستتابع أداء الشركتين وستطلب منهما تقديم إيضاحات إلى المشتركين حول أسباب الزيادة. لكن البيان انتهى بجملة أثارت الكثير من التساؤلات، مفادها أن «الموارد الذاتية للمشغلين لا تسمح لهما بالتطوير الجذري اللازم لاحتياجات المواطنين المتنامية». وفي محاولتها تفنيد تلك الرواية، استندت الباحثة الاقتصادية، رشا سيروب، إلى ما ورد في البيانات المالية للشركتين حول «مبدأ الاستمرارية»، حيث تؤكد إدارتاهما – بالنص – أن لديهما ما يكفي من الموارد لضمان استمرار العمل من دون مخاطر جوهرية في المستقبل المنظور، رغم حالة عدم اليقين العامة في البلاد. وتساءلت سيروب: «إذا كانت الشركتان تعلنان بوضوح امتلاكهما الموارد الكافية، فما الذي يدفع الوزارة إلى تأكيد العكس؟ ألا يستحق السوريون قدراً أدنى من الشفافية؟ ألا يستحقون معرفة الصورة كاملة بدل إعادة إنتاج ذات الأساليب القديمة التي حكمت قطاع الاتصالات طوال عقود؟».
هذه الأسئلة العميقة وغيرها تعبّر عن فجوة ثقة متراكمة بين المواطن وتلك الشركات من جهة، وبينه وبين الجهة المنظّمة للقطاع من جهة أخرى، وهي فجوة لم يعد ممكناً تجاهلها في ظل الظروف الاقتصادية الحرجة التي تمر بها البلاد.

