
دمشق | عَرفت سوريا، في أثناء العقدَين الأخيرَين، أزمتَين سياسيتَين كبريَين ارتبطتا، بشكل مباشر أو غير مباشر، بملفّات النفط والغاز: الأولى كانت عام 2004، حين توتّرت علاقات دمشق مع باريس، بعد مدّة تقارب امتدّت لسنوات؛ وفي هذا الإطار، تشير مصادر ديبلوماسية واقتصادية إلى أنّ الخلاف - آنذاك - لم يكن سياسيّاً بحتاً، بل ارتبط بتنافس على عقود الطاقة، خاصّة بعدما رفضت الحكومة السورية، منحَ شركة فرنسية امتيازات إضافية للتنقيب في البادية الشرقية، وهو ما أسهم - بحسب هذه الرواية - في انقلاب جاك شيراك على بشار الأسد، وما تلاه من خروج سوريا من لبنان. أمّا الأزمة الثانية، فجاءت عام 2011، حين تصاعد الحديث عن رفض دمشق مشروع خط أنابيب الغاز القطري، الذي كان يُفترض أن يمرّ عبر الأراضي السورية والتركية، وصولاً إلى أوروبا. وبحسب تحليلات تناولت تلك المرحلة، فإنّ الموقف السوري الرافض للمشروع - الذي كان سيقلّص من هيمنة الغاز الروسي على السوق الأوروبية - شكّل أحد دوافع تأزّم العلاقات بين سوريا وكلٍّ من قطر وتركيا.
ورغم نفي الأوساط السياسية الرسمية سابقاً، أن يكون لهذه الاعتبارات دور في اندلاع الحرب، فإنّ عدداً من الخبراء السوريين في قطاع النفط يعتقدون بأنّ تجاهل دمشق لحسابات الطاقة الإقليمية، آنذاك، أسهم في تهيئة البيئة السياسية والاقتصادية للمواجهة. ويذهب أحد هؤلاء الخبراء، ممَّن عملوا مع شركات نفطية أجنبية في البلاد، إلى حدّ القول إنّ السماح بمدّ خطّ الغاز القطري، كان من شأنه أن يغيّر موازين الطاقة عالمياً، وربّما كان ليَحول دون اندلاع الحرب الأوكرانية لاحقاً.
لكن سوريا تجد نفسها، اليوم، أمام مشهد مغاير تماماً. فبعد نحو عقد ونصف عقد من العزلة والعقوبات، تعود إلى محيطها الإقليمي في لحظة لا تبدو مواتية كما كانت عليه في العقود الماضية؛ إذ لم تَعُد الجغرافيا السورية، رغم أهمّيتها، قادرة وحدها على ضمان موقع البلاد في معادلات الطاقة والتجارة، ما لم ترافقها تحوّلات سياسية واتفاقات كبرى تعيد الثقة إلى مسارات الترانزيت العابرة لأراضيها.
الجغرافيا السياسية للطاقة
تاريخياً، لم تكن أهمية سوريا، مستمدّة من مواردها الباطنية، بقدْر ما كانت من موقعها بوصفها ممرّاً طبيعيّاً بين الخليج وشرق المتوسط. فقد تزامنت التطوّرات الإقليمية الكبرى، في العقود الماضية، مع صعود موقع البلاد كعقدة مواصلات، بدءاً من المقاطعة العربية لإسرائيل في السبعينيات والثمانينيات، مروراً بحروب الخليج الثلاثة، وصولاً إلى التوتّر التركي - الكردي في شمال العراق، وهي أحداث حدّت من قدرة العراق والأردن ولبنان على أداء دور مماثل، ما جعل من الأراضي السورية ممرّاً إجباريّاً للنفط والبضائع نحو المتوسط.
بدورها، استفادت أنقرة من هذه الميزة، حين نسجت مع دمشق، قبل عام 2011، منظومة تعاون اقتصادي جعلت من سوريا جسرها البرّي إلى الأسواق العربية. وفي الوقت ذاته، حفّزت تلك المرحلة قطر على التفكير في مدّ خط غاز عبر سوريا وتركيا، في مواجهة مشروع إيراني - عراقي - سوري كان مطروحاً في حينه لمدّ خطّ بديل نحو المتوسط.
هل ستسمح تركيا لمرفأ طرطوس أن ينافس مرافئها على عقود التصدير والنقل؟
لكن تلك «الفرصة الجغرافية» تآكلت اليوم؛ فالعراق عاد ليَطرح نفسه كبديل قويّ عبر «مشروع التنمية» الذي يربط ميناء الفاو على الخليج بالموانئ التركية، بطول يتجاوز 2200 كيلومتر، مستبعداً فعليّاً سوريا والأردن ولبنان من خريطة الترانزيت الإقليمي، ومهدّداً حتى «قناة السويس». ويعزّز احتمالاتِ نجاح هذا المشروع، الاتفاقُ الأخير بين أنقرة و«حزب العمال الكردستاني»، الذي أزال واحدة من أعقد العقبات الأمنية في شمال العراق؛ علماً أنّ دمشق، حاولت سابقاً الانضمام إلى المشروع عبر اقتراح ربط الموصل بمرفأ طرطوس، لتقليص المسافة إلى المتوسط بنحو 41%، مقارنة بميناء مرسين التركي، لكن الفيتو الأميركي، حال دون ذلك. ومع تبدّل السلطة في دمشق، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن أن تقبل بغداد وأربيل، بفتح تفريعة سورية للمشروع المذكور في ظلّ برود العلاقات السياسية؟ وهل ستسمح تركيا لمرفأ طرطوس، بأن ينافس مرافئها على عقود التصدير والنقل؟
في السياق نفسه، أفضى اتّساع دائرة التطبيع العربي - الإسرائيلي، إلى إعادة رسم خريطة الممرّات التجارية. فقد شهدت مرافئ حيفا وأشدود، استثمارات ضخمة في أثناء السنوات الماضية، ما جعلها أكثر تنافسية من نظيراتها في شرق المتوسط. كما أنّ المشروع المعروف باسم «الممرّ العظيم» الذي يربط الهند بميناء حيفا، عبر الأراضي السعودية والأردنية، ليس سوى تجسيد لهذا التحوّل، الذي يَمنح إسرائيل موقعاً محوريّاً في حركة البضائع والطاقة، ويُراد الدفع به خصوصاً بعد خروج إيران من المشهد، وتعطّل فكرة المشروع الثلاثي الذي يربط طهران ببغداد ودمشق، لتصدير النفط والغاز عبر الساحل السوري.
مستقبل الدور السوري
رغم عودة حركة الترانزيت البرّي تدريجيّاً بين تركيا والأردن عبر الأراضي السورية، فإنّ حجمها لا يزال متواضعاً، قياساً على مدّة ما قبل 2011. وبحسب تقديرات غير رسمية، فإنّ عدد الشاحنات العابرة حالياً لا يتجاوز ثلث ما كان عليه قبل الحرب، وذلك بسبب ارتفاع رسوم العبور وخطورة الطريق الدولي. ويضاف إلى ما تقدّم، التحدّي الأمني الأخطر المتمثّل في نشاط خلايا تنظيم «داعش» في البادية الممتدّة من تدمر إلى دير الزور، حيث أثبتت السنوات الماضية أنّ مثل هذه التهديدات قادرة على تعطيل أيّ مشروع استراتيجي للطاقة، علماً أنه سبق لبعض التنظيمات المسلّحة أن فجّرت خطوط نقل النفط أو استخدمتها لعمليات التهريب. وحتى في فترات الاستقرار النسبي قبل 2011، واجهت الحكومة، آنذاك، مشكلات مماثلة مع عصابات سرقة المشتقّات النفطية، ما اضطرّها للتعاقد مع سكان القرى المجاورة لحماية الأنابيب. أمّا اليوم، ومع ضعف الدولة المركزية وتعدُّد القوى المحلّية، فيبدو من الصعب ضمان أمن خطوط أنابيب جديدة ما لم تُعَد هيكلة منظومة الحماية بالكامل.
وفي ضوء ما تقدّم، فإنّ استعادة سوريا لمكانتها على خريطة مشاريع الترانزيت والطاقة في المنطقة، لن تتحقّق بمجرّد رفع بعض العقوبات أو فتح المعابر. فالمسألة تتطلّب اتفاقات سياسية واقتصادية كبرى تشارك فيها القوى المؤثّرة في المنطقة، إلى جانب إعادة بناء الثقة الدولية ببيئة الأعمال السورية. ومن دون استقرار أمني واسع، سيبقى أيّ مشروع للطاقة أو النقل عُرضة للتعطيل. كما أنّ ظهور جيل جديد من التنظيمات الجهادية في مناطق البادية، من شأنه أن يشكّل تحدّياً إضافيّاً، خاصة إذا تحوّل تنظيم «داعش» إلى ملاذ للفصائل الرافضة لسياسات الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، الذي يتّهمه بعضهم بالتخلّي عن فكرة «الدولة الإسلامية»، لمصلحة تسوية سياسية مدعومة من الغرب.

