تمدّد سياسة إنكار الأزمة: دمشق تتفاخر بفائض مالي مؤقّت
يفضح تضخيم فائض دمشق المالي سياسةَ إنكار الأزمة، كاشفاً حقيقة الوفر القائم على تقليص الإنفاق ورفع الأسعار.


منذ اللحظة التي تقرَّر فيها، قبل عدة سنوات، حصْر توزيع السلع والمواد المدعومة، وخاصة المشتقّات النفطية، بالرسائل النصية، شهد السوريون تحوّلاً سريعاً في المشهد اليومي أمام محطّات الوقود ومراكز توزيع الغاز، تمثّل في اختفاء الطوابير الطويلة. ولكن ذلك لم يحدث لأن المشكلة حُلَّت، بل لأن طريقة العرض تغيّرت فحسب؛ وقد اعتبرت السلطة، في حينه، أن نجاحها يكمن في إنهاء الازدحام البصري والشكلي، رغم أن جوهر الأزمة بقي كما هو، إذ إن غالبية المواطنين لم تنجح في الحصول على مخصّصاتها إلّا بعد انتظارات امتدّت لأسابيع وأحياناً لأشهر. وشكّل ما تقدّم، مثالاً واضحاً على محاولة السلطات السابقة معالجة المظاهر لا الأسباب.
اليوم، تعيد الحكومة الانتقالية إنتاج السيناريو ذاته، وإنْ بطرق تختلف شكليّاً. فبينما يكابد الموظّف الحكومي لتجاوز عقبة حجز السيولة في المصارف كي يحصل على راتبه الشهري - وهو راتب لا يغطّي في أحسن الأحوال أكثر من خُمس متوسّط تكاليف معيشة الأسرة -، يخرج وزير المالية، في لقاءاته المغلقة وتصريحاته العلنية، متباهياً بوجود «فائض كبير» في الموازنة العامة، يعزوه إلى «الإدارة الرشيدة ومكافحة الفساد»، من دون أن يقدّم أيّ تفاصيل تتعلّق بالإيرادات الفعلية أو أوجه الإنفاق خلال الأشهر الماضية. وتخلق تصريحات من هذا النوع انطباعاً عاماً بأن الفائض تحقَّق نتيجة إجراءات تقنية ناجحة، في حين يشير الواقع إلى أن عوامل أخرى أكثر تأثيراً هي التي أنتجته.
فائض… بحكم الأمر الواقع
ليس مستغرباً أن تَظهر الموازنة العامة في السنة الحالية بفائض مالي؛ بل إن عدم ظهور فائض كبير، في ظلّ الإجراءات التي اتُّخذت عقب سقوط النظام السابق، كان سيُعدّ أمراً غير منطقي. إذ اتّسمت السياسة المالية، أخيراً، بتقليص واسع للإنفاق العام، سواء الجاري أو الاستثماري. لكن هذا التقليص لم يأتِ نتيجة إصلاح إداري أو ضبط مالي، بل بفعل قرارات مباشرة شملت إنهاء خدمات مئات آلاف العاملين في المؤسسات العسكرية والمدنية، ورفْع سعر مادة الخبز، وتحرير أسعار جميع المشتقات النفطية، إضافة إلى تعليق معظم بنود الإنفاق الاستثماري.
مجموع الوفر الناتج من تسريح العاملين وإلغاء الدعم عن المشتقات النفطية نحو 10 آلاف و500 مليار ليرة
ولفهم حجم التحوّل، يكفي التذكير بأن الموازنات السابقة عانت بشكل مزمن من عجز متنامٍ، كانت السلطات تغطّيه عبر طباعة العملة، وهو ما أدّى بدوره إلى موجات تضخّم واسعة التمدُّد. وإذ تمثّل المصدر الرئيسي لذلك العجز، في تراجع الإيرادات العامة، بالتوازي مع ارتفاع النفقات الجارية، ولا سيما بندَي الرواتب والدعم الاجتماعي، فقد حاولت الحكومات المتعاقبة الحدّ منه عبر تجميد التوظيف، والإحجام عن زيادة الرواتب، وتقليص الدعم برفع أسعار السلع المدعومة، واستبعاد شرائح واسعة من الأُسر من دائرته. لكن ما لم تستطع تلك الحكومات تنفيذه، منذ عام 2008 وحتى لحظة سقوط النظام السابق، نفّذته حكومة «الإنقاذ» فور دخولها دمشق.
إذن، هل كانت الإجراءات الأخيرة فعّالة إلى هذا الحدّ؟ تشير بيانات «المكتب المركزي للإحصاء» إلى أن عدد مَن جرى تسريحهم من الجيش والأجهزة الأمنية والشرطية والقطاع المدني، منذ سقوط النظام، يتجاوز نصف مليون شخص في الحدّ الأدنى، أي ما يقارب ثلث العاملين في القطاع الحكومي حينها. وعلى اعتبار أن كتلة الرواتب والأجور الفعلية عام 2024 وصلت إلى نحو 12 ألف مليار ليرة، فإنه يمكن تقدير كتلة رواتب المسرّحين بأكثر من 4300 مليار ليرة سنوياً، وهو وِفر مباشر تحقَّق للخزينة، ولا علاقة له بالإدارة الرشيدة ولا بمكافحة الفساد. أمّا في ملف الدعم الاجتماعي، فقد بلغت اعتمادات هذا البند، في موازنة 2024، نحو 6200 مليار ليرة. ومع رفع الدعم الكامل عن المشتقّات النفطية وبيعها بالسعر العالمي وبهوامش ربح، تحوّل هذا البند من كلفة على الخزينة إلى مصدر وفر فعليّ. وعليه، يصبح مجموع الوفر الناتج من تسريح العاملين وإلغاء الدعم عن المشتقات النفطية نحو 10 آلاف و500 مليار ليرة، من دون احتساب أيّ إيرادات إضافية. وإذا أضيفت إلى ذلك، موازنة الإنفاق الاستثماري، البالغة نحو 9 آلاف مليار ليرة في موازنة 2024، والتي لم يُصرف منها إلّا القليل بفعل سياسة الترشيد، يصبح إجمالي الوفر في ثلاثة بنود رئيسية نحو 19 ألف مليار ليرة مقارنة بموازنة العام الفائت. وهذا الرقم وحده يكفي لتفسير الفائض الذي تتباهى به الحكومة، من دون الحاجة إلى استحضار خطاب مكافحة الفساد والإصلاح والشفافية، الذي يبقى حتى الآن بلا ترجمة مالية حقيقية.
ومن بين المؤشرات الداعمة لهذه القراءة، أن حكومة تصريف الأعمال والحكومة الانتقالية خفّضتا أو ألغتا عدداً من الرسوم والضرائب، وهو ما يقلّل نظريّاً من الإيرادات الضريبية، إضافة إلى امتناع عدد من المكلّفين عن التسديد نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية المضطربة. ويعني ذلك أن الفائض ليس نتيجة توسّع في الإيرادات، بل انكماش قاسٍ في النفقات.
السحر ينقلب على الساحر
تصريحات وزير المالية، التي هدفت إلى تضخيم إنجازات حكومته وإظهار المرحلة السابقة بوصفها مرحلة فساد مطلق، جاءت بنتيجة معاكسة تماماً؛ إذ وضعت الحكومة الانتقالية أمام أسئلة بديهية لكنها محرِجة: كيف يتفاخر الوزير بوجود فائض مالي كبير بينما تواصل الحكومة تطبيق سياسة حبس السيولة؟ وكيف يُترك مئات آلاف الموظفين والمتقاعدين والمستثمرين يعانون للحصول على أموالهم، إذا كانت الخزينة فعلاً تمتلك هذا الفائض الواسع؟ ولماذا أيضاً لم تُقرّ الزيادات على رواتب المعلّمين والأطباء وغيرهم، والتي وعد بها الوزير منذ ثلاثة أشهر؟ الأرجح أن الحكومة تنتظر استكمال دورة رفع الأسعار في السلع والخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والاتصالات التي يُتوقع أن تلحق بها أسعار الأدوية والمياه وغيرها، لإقرار زيادة الرواتب، التي ستكون، والحال هذه، قد فقدت قيمتها الفعلية سلفاً، لكنها ستُقدَّم كمنّة سياسية لا كجزء من سياسة مالية متوازنة.
