
دمشق | لم تمضِ سوى أشهر قليلة على سقوط النظام السوري السابق، حتى بدأت ظاهرة لافتة تتولّد في النقاشات العامة داخل البلاد: «المقارنة» بين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الراهنة، وتلك التي كانت سائدة إبان حُكم الرئيس السابق بشار الأسد. وإذا كان متوقّعاً أن يقيّم الناس أداء السلطة الجديدة قياساً على وعودها، ولكن ما لم يكن متوقعاً هو حدّة هذه المقارنات وسرعة انتشارها، ثم وصولها إلى استنتاجات تصبّ، في أذهان فئات من السوريين، إمّا في صالح المرحلة السابقة في بعض جوانبها، أو على الأقلّ في اتجاه اعتبار ملامح الإدارة الجديدة غير مختلفة كثيراً عن نظيرتها لدى النظام الآفل.
والواقع أن هذه الظاهرة شائعة جداً في المجتمعات التي تشهد تحوّلات سياسية كبرى؛ فمن «عراق ما بعد الغزو»، إلى ليبيا بعد عام 2011، ومن مصر إلى السودان، اعتادت شعوب المنطقة أن تقيّم أداء حكوماتها الجديدة، لنواحي الأسعار والأمن والخدمات والرواتب، وما إذا كانت السياسات الجديدة قادرة على توفير حدٍّ أدنى من الاستقرار.
خيبة توقعات
في الحالة السورية، بدأت موجة «المقارنات» الأولى، مع تعثّر صرف رواتب القطاع العام لأشهر متتالية، ثم رفْع أسعار الخبز المدعوم وتحرير أسعار المشتقات النفطية، وارتفاع مستويات الانفلات الأمني في بعض المناطق، وصولاً إلى الأحداث الدموية في السويداء. آنذاك، بدا المزاج العام ميّالاً إلى منح السلطة الجديدة هامشاً زمنياً كافياً قبل إصدار الأحكام، باعتبار أن إدارة مرحلة ما بعد سقوط نظام دامَ عقوداً ليست مهمّة بسيطة، وأن تنفيذ الوعود السياسية والاقتصادية يتطّلب وقتاً وتدرُّجاً.
لم يكن المواطنون ينتظرون من السلطة الجديدة نسخة محسّنة من النظام السابق، بل نموذجاً مختلفاً في الإدارة
غير أن هذا المزاج بدأ يتبدّل مع تسارُع القرارات الاقتصادية التي أثّرت بشكل مباشر في معيشة المواطنين. فقد اتّخذت وزارة الطاقة قراراً برفع أسعار الكهرباء بنسب غير مسبوقة، وصلت في شريحتها الأولى، التي يُفترض أنها لا تزال مدعومة، إلى نحو 5900%؛ ثمّ تبع ذلك رفع كبير لأسعار خدمات شركتَي الاتصالات، من دون أن تُرفَق هذه الإجراءات بخطط واضحة لتعويض الأسر المحدودة الدخل أو بناء شبكة حماية اجتماعية قادرة على امتصاص الصدمات. ومع الوقت، خرجت النقاشات من الدوائر الضيّقة إلى المنصات الإعلامية والحوارات العامة، حتى باتت المقارنات تطرح بلا تردّد، سواء من قِبَل موالين أو معارضين مؤمنين بالتغيير؛ لا تعبيراً عن حنين، بل عن خيبة توقعات.
إذ لم يكن المواطنون ينتظرون من السلطة الجديدة نسخة محسّنة من النظام السابق، بل نموذجاً مختلفاً في الإدارة، وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي إدارة الموارد العامة والمال العام. كما كانوا ينتظرون نهجاً يعزّز الشفافية، ويحدّ من مظاهر الفساد، ويقدّم سياسات اقتصادية تراعي هشاشة المجتمع الذي خرج من حرب طويلة. لكن ما حدث، بحسب المزاج الشعبي العام، هو العكس تماماً؛ فآليات اتّخاذ القرار لا تزال محاطة بالغموض، فيما يتكرّر الحديث عن مكاتب ولجان تدير ملفات حساسة، فضلاً عن تعيينات مبنيّة على الولاءات أو الشبكات الضيّقة تَظهر في مواقع عدة. وإذا كان كثيرون احتملوا هذه السلوكيات في الأشهر الأولى، فإن استمرارها بالتزامن مع قرارات اقتصادية قاسية لم يعُد منطقياً بالنسبة إليهم.
«التندّر» على ما فات
اعتمدت الحكومة الانتقالية على نهج يهدف إلى تحرير الأسعار وتطبيق آليات اقتصاد السوق بوتيرة أسرع ممّا يحتمله الواقع الاجتماعي. ويقوم هذا النهج، الذي يشبه ما جرى في سوريا قبل عام 2011 تحت شعار «الإصلاح الاقتصادي»، يقوم على رفع أسعار السلع والخدمات بهدف تغطية أيّ زيادة في الرواتب، وتقليص الدعم الاجتماعي من دون توفير بدائل كافية. والنتيجة، ارتفاع جديد في أسعار السلع الأساسية، ولا سيما الغذائية منها، حتى تجاوزت مستويات ما قبل سقوط النظام السابق، رغم تحسّن سعر صرف الليرة. كما رفعت المؤسسات الحكومية رسوم خدماتها بشكل مضاعف، وتبعها القطاع الخاص، لتدخل البلاد مجدداً في حلقة تضخمية جديدة، من دون وجود سياسات حمائية أو برامج دعم فعّالة.
وأعاد هذا الواقع إلى الواجهة مخاوف مرتبطة بفقدان السلطة الانتقالية للرأسمال الشعبي الذي اكتسبته في الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام السابق. فالتأييد الشعبي في المراحل الانتقالية هشّ بطبيعته، وهو يتآكل سريعاً عند أول صدمة معيشية إنْ لم ترافقه رؤية سياسية واضحة وخطاب حكومي قادر على شرح الخيارات الصعبة وتخفيف آثارها. وفي ظلّ غياب استراتيجية وطنية معلنة تنظّم المرحلة المقبلة اقتصاديّاً وتنمويّاً، تتزايد مخاوف جزء واسع من السوريين من أن تكرار أخطاء الماضي قد يعيد إنتاج الظروف التي سبقت انفجار 2011، ولكن هذه المرّة في بيئة أشدّ هشاشة بعد حرب دامت 14 عاماً. وتُظهر التجربة السابقة أن الانفتاح الاقتصادي غير المنظّم، ورفع الدعم قبل بناء شبكة حماية اجتماعية، وفتح السوق أمام الاستيراد من دون تحفيز القطاعات الإنتاجية المحلية، كلّها عوامل أدّت إلى إفقار مئات آلاف الأسر السورية، وأسهمت في صناعة الاحتقان الاجتماعي الذي تراكم حتى وصل إلى نقطة الانفجار. واليوم، مع دمار واسع في البنية التحتية، وفقدان مصادر الدخل، وارتفاع نسبة الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، تبدو قدرة المجتمع على تحمُّل صدمات اقتصادية جديدة محدودة جداً.
فهل يمكن للسلطة الجديدة أن تستعيد المبادرة وتعيد بناء الثقة قبل أن يتعمّق الشرخ بينها وبين المواطنين؟ الإجابة تعتمد على ثلاثة عناصر أساسية، هي: أولاً، القدرة على إدارة الملفات المعيشية بطريقة واقعية تراعي هشاشة المجتمع بعد الحرب؛ ثانياً، تقديم رؤية سياسية واقتصادية واضحة لا تكتفي بالشعارات بل تتضمّن خططاً قابلة للمساءلة؛ وثالثاً، تطوير علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع قائمة على الشفافية والمسؤولية المتبادلة.
أما بالنسبة إلى المقارنة بالماضي، فهي ليست خطراً في ذاتها، ولكن الخطر يكمن في تحولها إلى قناعة شعبية بأن مسار التغيير لم يحمل جديداً، أو أنه ينتج نسخة مختلفة في الشكل فقط من السياسات القديمة. وفي هذه الحالة، يصبح فقدان الثقة، وليس ارتفاع الأسعار وحده، هو التحدّي الأكبر الذي تواجهه أيّ حكومة انتقالية.

