
أنهى الإضراب العام الذي دعا إليه رئيس «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، الشيخ غزال غزال، يومه الخامس، في ظلّ التزام واسع به من أبناء الطائفة العلوية، رغم ما يصفه المشاركون فيه بـ«سياسة الترهيب» و«الضغوط الأمنية» التي تعرّضوا لها من جانب قوات تابعة للسلطة الانتقالية في عدد من المناطق. وفي موازاة اتّساع رقعة الإضراب، يجري التداول في احتمال عقد لقاء بين رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ووفد علوي، يقول كثيرون إنه لا يمثّلهم ولا يعكس مطالبهم. ويعتبر هؤلاء أن أيّ لقاء من هذا النوع، في حال انعقاده، قد يُستخدم لتلميع صورة الحكومة الانتقالية، التي يتهمونها بالتأخُّر في الاستجابة لمطالبهم، ولا سيما بعد أحداث آذار الدامية. ويأتي الحديث عن اللقاء في وقت يقدّر فيه منظّمو الإضراب ومؤيّدوه، أن تحرّكهم حقّق أحد أهدافه الرئيسية، المتمثّل في توحيد الموقف العلوي والالتفاف حول مرجعية دينية واحدة، يمثّلها غزال، الذي يُنتظر أن يصدر موقفاً يحدّد فيه طبيعة الخطوات المقبلة.
ووفقاً لمصادر محلية، شهد الإضراب تزايداً ملحوظاً في المشاركة بعد مرور يوميه الأولين، لا سيما عقب مقتل الشاب مراد محرز، في قرية اليهودية في ريف اللاذقية، في حادثة وصفت بأنها جريمة قتل على خلفية طائفية. إذ أدّى ذلك، وفق روايات الأهالي، إلى انضمام فئات كانت متردّدة في المشاركة خوفاً من تبعات أمنية أو معيشية، إلى الإضراب. في المقابل، أفاد مشاركون في التحرك بتزايد التهديدات والمضايقات التي تعرضوا لها مع تقدّم أيام الإضراب، والتي تنوّعت بين اعتداءات مباشرة، ونصب حواجز مفاجئة في قرى ذات غالبية علوية، وإجبار التجار على فتح محالهم، ومعاقبة المخالفين بوسائل مختلفة. كما شملت الضغوط أصحابَ وسائل النقل، والموظّفين المهدّدين بالفصل، إضافة إلى حملات تفتيش في المدارس التي سجّلت نسب غياب عالية في مناطق الساحل وأرياف حماة وحمص؛ وهي نسبٌ وازتها أخرى متقدّمة عليها في مناطق وجود العلويين في دمشق، حيث تتضاعف الخشية من التهجير، وفق ما أفادت به مصادر أهلية.
«الغالبية الساحقة تؤيّد الإضراب، بعدما بلغ الشعور بالظلم مستوى غير مسبوق»
وتعليقاً على الإضراب، يقول الصحافي أ.ح. من مدينة طرطوس، إن الإصرار على مواصلته يهدف إلى «إيصال رسالة سلمية واضحة إلى الرأي العام المحلّي والدولي بأن الانتهاكات المتواصلة لم يَعُد في الإمكان تجاهلها، لِما لها من آثار خطيرة على العلويين وعلى المجتمع السوري عموماً». ويضيف، في حديث إلى «الأخبار»، أن الإضراب اتّسع تدريجياً، مع لجوء بعض المشاركين إلى «المناورة»، أي الالتزام به مع محاولة تجنُّب فقدان مصدر الرزق، في ظلّ الظروف الاقتصادية الضاغطة، مؤكداً أن «الغالبية الساحقة تؤيّد الإضراب، بعدما بلغ الشعور بالظلم مستوى غير مسبوق».
وفي ما يتعلّق باللقاء المزمع عقده مع رئيس المرحلة الانتقالية، يلفت المصدر نفسه إلى أن مطالب العلويين باتت معروفة: معاملتهم على أساس المواطَنة، ووقف تحميلهم مسؤولية ممارسات النظام السابق، وإعادة المفصولين تعسفيّاً إلى وظائفهم، ووقف عمليات الخطف والتحريض، والإفراج عن المعتقلين، إضافة إلى معالجة ملفّ العسكريين من ضباط وصف ضباط، مشدداً على أن ذلك «يتطلب خطوات عملية ومبادرات حسن نية، أكثر من عقد اجتماعات شكلية مع شخصيات لا تحظى بإجماع داخل الطائفة».
وبالعودة إلى الإضراب، سُجّلت أعلى نسب مشاركة بين أصحاب المحال التجارية وفي القطاع التعليمي، في حين أثّرت التهديدات بالفصل على الموظفين الذين قرّر بعضهم، على خلفية ذلك، المشاركة بطرق غير معلنة. ومن بين هؤلاء الموظفة ر.م. التي تقول إنها تؤيد الإضراب «بشكل كامل»، لكنها اضطرت إلى الموازنة بين مشاركتها والحفاظ على وظيفتها، مؤكدة في الوقت نفسه تمسّكها بدعوة الشيخ غزال، التي تعتبرها «محقّة وتهدف إلى رفع الظلم ووقف التحريض الطائفي». ومن جهتها، تعبّر هند، وهي سبعينية من ريف حماة الغربي، عن دعمها الكامل للإضراب، مشيرة إلى أنها منعت أفراد أسرتها من مغادرة المنزل إلّا للضرورة، في حين أكدت أن مطلبها الأساسي، كغيرها من الأمهات، «هو الأمان والعيش بكرامة، بعيداً من الخوف والملاحقة».
ومع اختتام أيام الإضراب، يفيد منظّموه ومؤيّدوه بأنه حصد نسب مشاركة مرتفعة، قُدرت بأكثر من 90% في بعض المناطق، ونجح في تحقيق هدفه الأبرز، أي توحيد الموقف العلوي حول مرجعية واحدة. ويعتبر هؤلاء أن الدعوة إلى لقاء سياسي مع وفد علوي، بالتزامن مع التحرك، تشكّل دليلاً على تأثير هذا الأخير، خاصة بعد تصريحات أدلى بها الشرع خلال وجوده في قطر، وأقرّ فيها بأن الطائفة العلوية كانت من أكثر الفئات التي دفعت ثمناً باهظاً خلال المرحلة السابقة.

