
بعد شهور طويلة من المداولات والتعديلات والضغوط والوساطات، أُقرّ إلغاء قانون العقوبات المفروض على سوريا، المعروف بـ«قانون قيصر»، في مجلس الشيوخ الأميركي، وهو آخر مجلس تشريعي مطلوب تصديقه عليه، قبل إحالته إلى مكتب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتوقيعه. ويعني ذلك عملياً تحرير سوريا من أقسى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن عام 2019، وأسهمت في إنهاك ما تبقّى من الاقتصاد الذي دمّرته الحرب.
ويأتي هذا التطور بعدما خضع القانون لتعديلات عدة أفضت إلى إسقاط شروط إلزامية كان بعض المشرّعين الأميركيين يسعون إلى تضمينها، بما يسمح بإعادة فرض العقوبات لاحقاً، ليُصار إلى تحويل تلك الشروط إلى مجرّد «أمنيات غير ملزمة»، ومن بينها الالتزام بـ«أمن الجوار» (بما يشمل إسرائيل)، والمشاركة في «الحرب على الإرهاب»، والمساعدة في تفكيك ما تبقّى من «ترسانة كيميائية سورية». ولاحقاً، أقرّ مجلس النواب القانون ضمن مشروع ميزانية الدفاع الوطنية، قبل إحالته إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون (الحزب الذي ينتمي إليه ترامب)، وجرى تمريره فيه بأغلبية 77 صوتاً مؤيّداً مقابل 20 رافضاً.
ورغم تحويل الشروط الأميركية إلى صيغة غير ملزمة، اتّخذت الولايات المتحدة جملة من الخطوات لضمان تحقيق تلك الشروط قبل تمرير القانون، وهو ما تجاوبت معه دمشق سريعاً، إذ تعهّد الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، بـ«ضمان أمن الجوار»، كما انضمّت حكومته رسمياً إلى «التحالف الدولي ضد داعش». وأتى هذا بعدما تسلّم المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس برّاك، قيادة الملف السوري الذي يعمل على هندسته بما يتوافق مع السياسة الأميركية.
بدا لافتاً تذكير ترامب بأنه منح إسرائيل السيادة على الجولان السوري المحتل، بالتزامن مع إلغاء العقوبات
وعلى صعيد «أمن الجوار»، يبدو تعهّد الرئيس الانتقالي لزوم ما لا يلزم، في ظلّ سيطرة إسرائيل على الجنوب السوري وفرضها خريطة جديدة فيه، بعد إقامة منطقة منزوعة السلاح بالقوة، إلى جانب دعم «إدارة ذاتية» في السويداء. وينطبق الأمر نفسه على الشمال، حيث تقيم تركيا قواعد عسكرية عديدة، فيما تتواجد القوات الأميركية في الشمال الشرقي وشرق البلاد، بالإضافة إلى وجودها على الحدود الأردنية جنوباً. ويعني ذلك عملياً وجود «سواتر حماية» في جميع الاتجاهات، باستثناء الحدود مع لبنان، التي تحاول فرنسا، إلى جانب السعودية، لعب دور في تأمينها، وفق ترتيبات مُعقّدة تتداخل فيها ملفات أخرى قضائية، بينها محاولة السلطات الانتقالية إخراج سجناء متشدّدين من السجون اللبنانية.
وعلى الصعيدين السياسي والاقتصادي، يمثّل رفع العقوبات، بشكل كامل، دفعة كبيرة للسلطات الانتقالية، التي تحتاج بشكل عاجل إلى استقطاب استثمارات حقيقية إلى البلاد، باعتبارها المدخل الأساسي لتجذير سيطرتها على البلاد. وهو هدف يتقاطع أيضاً مع رغبة واشنطن، التي تحاول تقديم النموذج السوري الحالي إلى العالم على أنه «الشكل الذي ستؤول إليه الدول التي تضع نفسها تحت الوصاية الأميركية»، ولا سيما أن سوريا كانت، على مدار العقود الماضية، تُصنّف في الولايات المتحدة دولة «معادية».
وبطبيعة الحال، باتت سوريا اليوم مفتوحة للاستثمارات من حيث غياب العقوبات، غير أن هذه الاستثمارات المُفترضة تواجه مصاعب أخرى على الأرض، في مقدّمها هشاشة الوضع الأمني، في ظل استمرار أزمتَي الجنوب (إسرائيل والسويداء) والشمال الشرقي الغني بالنفط (قسد). وتضاف إلى ذلك معوّقات أخرى تتعلّق بالإرهاب، خصوصاً بعد تعرّض القوات الأميركية لهجوم نفّذه عنصر ينتمي إلى وزارة الداخلية السورية، الأمر الذي من شأنه أن يدفع المستثمرين إلى التفكير مليّاً قبل دخول السوق السورية.
وإلى جانب ما سبق، تبرز معوقات تشريعية، أبرزها غياب مرجعية تشريعية واضحة للاستثمارات في سوريا، في ظل عدم وجود مجلس شعب حقيقي، وغياب الدستور، بعدما تمّ اعتماد «إعلان دستوري» بخطوط عريضة سيستمرّ لأربع سنوات قادمة، يمنح الرئيس الانتقالي سلطات غير محدودة، ويمنع محاسبته.
وبالتزامن مع موافقة مجلس الشيوخ على إلغاء العقوبات، بدا لافتاً تذكير ترامب بأنه منح إسرائيل، عام 2019، السيادة على الجولان السوري المحتل، إذ قال مازحاً، خلال احتفال أقيم في البيت الأبيض بمناسبة «عيد الأنوار» اليهودي (حانوكا): «وقّعت على منح إسرائيل حقوق هضبة الجولان (...) عملوا على ذلك 70 عاماً ولم ينجح أحد، لكنّني فعلتها وبسرعة، ثم اكتشفت أن قيمتها تساوي تريليونات الدولارات، عندها قلت ربما كان يجب أن أطلب منهم شيئاً في المقابل».

