«آلية الاندماج المشتركة»: مقاولة أمنية لمصلحة الاحتلال

دمشق | في أعقاب جولات متعدّدة من المفاوضات، طغى عليها الملفّ الأمني، انبثق التفاهم السوري – الإسرائيلي الأوّلي، برعاية أميركية، ليكرّس تحويل العمق السوري إلى «منطقة عازلة» تتماشى مع عقيدة إسرائيل الأمنية الجديدة، وإن على حساب «السيادة» السورية، ولينقل دمشق في المقابل من مربّع «إدراة المخاطر» في العلاقة مع تل أبيب، إلى مربع استكشاف فرص التطبيع على المستويات كافة. وإذ يضمن مشروع الاتفاق تفوقاً عسكرياً نوعياً للعدو، معدّلاً شروطاً أمنية سابقة ومضيفاً بنوداً جديدة إليها تربط الجنوب بمسار إقليمي - دولي عنوانه الهندسة الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط، فهو يتجاهل في المقابل أيّ مسار سياسي يمكن أن يمنح نظام الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، حدّاً من الشرعية، من بوابة التفاهم مع إسرائيل.
وتستهدف «آلية الاندماج المشتركة» التي أُعلن عنها في نتيجة اجتماع باريس، والتي ستعمل «كخلية اتصال دائمة»، بشكل رئيسي، التنظيمات الفلسطينية وأنشطة «حزب الله» في سوريا ولبنان والوجود الإيراني في المنطقة، وصولاً حتى إلى نشاط الجماعات المتشدّدة في البنية العسكرية الجديدة للنظام. وإذ يستبطن ذلك التفاهم، التزام دمشق بإنهاء «الأعمال العدائية»، وخروج سوريا التامّ من موقعها كـ«جبهة مهدِّدة» للعدو التاريخي لها، فهو يتساوق مع سعي إسرائيل إلى إعادة ترسيم «حدودها» وفق مصالحها الأمنية، ودفع خصومها بعيداً عنها، عبر استبدال ما يُعرف بـ«الحزام الناري» بـ«حزام المناطق العازلة». وسبقت أن عمدت إسرائيل، بحسب مصادر مطّلعة تحدّثت إلى «الأخبار»، إلى تكليف مدنيين لهم ارتباطات سابقة بغرفة «الموك» في الأردن، بنسج علاقات تحت ستار الصحافة والإعلام ومراكز الأبحاث، مع أشخاص سوريين، بهدف تتبّع «النشاطات الفلسطينية في سوريا، وإمكانية عودة حزب الله وإيران» إلى هذا البلد، جنباً إلى جنب دعم حملة إعلامية ضدّ المخيمات الفلسطينية، وبثّ دعاية حول وجود شخصيات «على ارتباط مع محور المقاومة» فيها، حتى لو كانت مدنية، تمهيداً لملاحقتها والتضييق عليها. كذلك، أعادت إسرائيل إحياء التواصل مع خلايا تابعة لها في جنوب سوريا، تضمّ قادة فصائل سابقين في «الجيش الحر»، سعياً وراء توسيع تبادل المعلومات الاستخبارية، واستثمار التشقق الاجتماعي لتوليد بيئة عمالة تصبح فيها الاستخبارات «اقتصاداً مجتمعياً».
تتولى شخصية أدّت دوراً أمنياً في الأيام الأخيرة لسقوط النظام مهمة تنسيق التواصل بين شبّان من حضر وضابط إسرائيلي
وإلى جانب ما تَقدّم، تفيد معلومات حصلت عليها «الأخبار»، بأن «ملف الدروز» شكّل عنصراً أساسياً في مفاوضات باريس، حيث جرى التركيز على خطة إنشاء معبر إنساني – أمني (غير برّي) نحوهم، في اتّساق واضح مع الجهود الدرزية في الداخل المحتل، والتي كانت تضغط في هذا الاتجاه. وكان العدو الإسرائيلي قد كثّف، في الأيام الماضية، جهود «دعمه» لدروز حضر، والتي شملت تخصيص مبالغ مالية تتجاوز الـ500 دولار لكل عائلة، ومساعدات غذائية سيتمّ توزيعها بانتظام. وطبقاً للمصادر نفسها، تتولّى «شخصية سورية أدّت دوراً أمنياً في الأيام الأخيرة لسقوط النظام»، مهمّة تنسيق التواصل بين شبّان من حضر وضابط إسرائيلي، وقد أوكل إليها تنفيذ «خطة استقطاب وتجنيد شبان دروز في لواء (غولاني)»، وذلك مقابل مبالغ مادية شهرية ومكآفات سنوية، علماً أن التواصل مع هؤلاء الشبان يتمّ عبر نقطة اتصال مستحدثة في حضر، تعمل «على الشبكات الإسرائيلية».
المفارقة أن الإعلان عن تفاهمات باريس لم يقترن بتراجع في عمليات التوسّع الإسرائيلية في الجنوب؛ إذ شهد ريف القنيطرة إقامة حواجز وعمليات توغل لقوات العدو، توازياً مع هدم مبنى «مستشفى الجولان الأثري» في القنيطرة القديمة (المهدمة)، والتي كانت قد تحوّلت، عقب سقوط النظام السابق، إلى منطقة عسكرية محظورة. وطبقاً لمصادر «الأخبار»، فإن القوات الإسرائيلية، جدّدت، في أعقاب هدم المستشفى، تعليماتها العسكرية بحظر الاقتراب من المنطقة، والتي لا يُسمح بموجبها بالدخول سوى لسبع عائلات شركسية، تمتلك مزارع ضمنها، وذلك وفق شروط أمنية مشدّدة وخلال ساعات محدّدة. وفي الوقت نفسه، أعادت قوات الاحتلال رفع علم الكيان في تل الأحمر الشرقي في ريف القنيطرة الجنوبي.

