
دمشق | في ما يعكس نظرتها إلى الاتفاق المُعلن بينها وبين حكومة الاحتلال في باريس أخيراً، كطوق نجاة لها، بدت الحكومة السورية الانتقالية، عقب الاتفاق، أكثر انفتاحاً على التعاطي مع تفاصيل الواقع الميداني في جنوب سوريا - خصوصاً في محافظة القنيطرة -، والذي لا تزال تحكمه الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة. وفي هذا السياق، جاءت زيارة مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لـ«شؤون عمليات حفظ السلام»، جان بيير لاكروا، برفقة المندوب السوري الدائم لدى المنظمة الدولية، إبراهيم علبي، إلى القنيطرة، السبت الماضي، في زيارة تُعدّ الأولى من نوعها بعد «اتفاق باريس» الذي صدر عنه بيان مشترك سوري - إسرائيلي - أميركي، وعقب تمديد مهمة قوات الأمم المتحدة لمراقبة «فضّ الاشتباك» (يوندوف) لستة أشهر إضافية.
وفي إثر الزيارة، نقلت قناة «الإخبارية السورية» عن علبي قوله إن «زيارة الوفد الأممي للقنيطرة حملت رسالة واضحة، مفادها أن الأرض سورية (...) أي وجود لإسرائيل في هذه الأراضي غير قانوني»، وإن «الجهود الدبلوماسية السورية عزّزت ملف الجولان في مجلس الأمن». وأشار علبي إلى أن الوفد اطّلع على «الانتهاكات الإسرائيلية، ونقل صوت الأهالي المتضررين إلى المجتمع الدولي»، بالإضافة إلى بلورة آليات عملية لمعالجة ملفات المعتقلين والممتلكات المتضرّرة».
إلا أن الزيارة التي تخلّلتها لقاءات مباشرة مع بعض الأهالي، لم يرتقِ مستواها، بحسب مصدر محلي تحدّث إلى «الأخبار»، إلى «حجم الانتهاكات القائمة، ولم تنقل صوت المجتمع المحلي بصورة كافية»، إذ غلب عليها «الطابع الرسمي، وحُصرت اللقاءات التي أجريت خلالها بعدد محدود جداً لا يتجاوز العشرات من الأهالي، في ظلّ غياب واسع لسكان القرى المتضررة، ولا سيما أولئك الذين هُدمت منازلهم وأُقيمت قواعد عسكرية إسرائيلية على أطرافها».
سيُطرح ملف القنيطرة في جلسة مجلس الأمن المُقرّر عقدها في الثاني والعشرين من الشهر الجاري
ويأتي هذا خلافاً للحاجة الملحّة إلى كشف حقائق الوضع الميداني في الجنوب السوري، والذي لفّه الصمت طوال الفترة الماضية، في وقت تربط فيه الحكومة الانتقالية ملف الجنوب بتفاهمات خارجية مع إسرائيل، إلى جانب مسعى أممي ودولي لإدامة ما تبقّى من خيوط «اتفاقية فضّ الاشتباك» التي انهارت بعد سقوط النظام. وكانت قوات «يوندوف» قد بدأت، استجابةً لضغوط مباشرة من الأهالي أعقبت اعتقال أربعة شبان على حاجز في بلدة جباتا الخشب، إعادة تفعيل حضورها بشكل أوسع، مجريةً جولات متعدّدة في قرى القنيطرة المتضرّرة، إلى جانب تسيير دوريات ليلية وإقامة نقاط تفتيش مؤقّتة. ونشرت قوات «يوندوف» تعميماً في التاسع من الشهر الجاري، يفيد بأن الدوريات ستُسيَّر يومياً من الساعة الحادية عشرة ليلاً حتى الثالثة فجراً، مع إقامة نقاط تفتيش تشمل بلدات جباتا الخشب وطرنجة وأوفانيا وعين البيضة. غير أن مصادر أهلية تؤكّد، في حديثها إلى «الأخبار»، أن القوات الأممية «لم تنفّذ سوى دورية واحدة حتى الآن، على الرغم من استمرار التوغّلات الإسرائيلية، وإنشاء الحواجز، واعتقال المدنيين، وتواصل الاعتداءات التي كان آخرها مداهمات وتفتيش منازل في قريتَي رويحينة والمشيرفة، واعتقال مواطن أُفرج عنه لاحقاً».
ويلاحَظ، هنا، تركيز قوات الأمم المتحدة على إقامة نقاط تفتيش داخل القرى وفي ساعات محدّدة، علماً أن دورها الأساسي يقوم على مراقبة منطقة الفصل من مراكزها في نبع الفوار، وفق اتفاقية أيار 1974، وتنفيذ جولات ميدانية. وفيما لا يمنع اتفاق «فضّ الاشتباك» القوات الأممية من هذه الإجراءات، إلا أن فعالية عملها تبقى مرهونة بالتزام طرفَي الاتفاقية بنصوصها، وهو التزام بات غير متوازن في جنوب سوريا، منذ الثامن من كانون الأول 2024. ويثير هذا الأمر التساؤلات حول ما إذا كانت هذه القوات تتحرك خارج إطارها التقليدي فحسب، أم أنها تتعامل على عجل مع واقع يُعاد فيه رسم الحدود، وتحاول بالتالي الإمساك بخطوط الفصل قبل حدوث تغييرات ميدانية أوسع.
وبحسب مصادر «الأخبار»، سيُطرح ملف القنيطرة، بتفاصيله الميدانية، للمرة الأولى، في جلسة مجلس الأمن المُقرّر عقدها في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، وذلك استناداً إلى تقديرات ستقدّمها قوة المراقبة إثر زيارتها الأخيرة إلى المحافظة، بعدما اقتصرت جلسات مجلس الأمن السابقة على توصيف عام للوضع في جنوب سوريا. أمّا الجديد من ناحية دمشق، هذه المرة، فيكمن في التجرؤ على طرح تفاصيل الملف، وإدراج قضية المعتقلين السوريين لدى الاحتلال ضمن مطالبها، بعدما ظلّت مناشدات الأهالي في هذا الشأن تقابَل بصمت مُطبق. وكانت «الأخبار» علمت بالإفراج عن أربعة معتقلين سوريين من سجون الاحتلال، من بينهم مواطن أعادت الأجهزة الأمنية السورية اعتقاله لاحقاً، وذلك بتهمة «المشاركة في أعمال مسلحة» إلى جانب النظام السابق في جنوب سوريا، خلال سنوات الأزمة.

