ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

أن نعود كالأطفال اليوم

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
خريستو المر
خريستو المر
الثلاثاء 22 تموز 2025
الخط

حين سأل التلاميذ يسوع أن يخبرهم مَن هو الأعظم في ملكوت الله، قال لهم: «إن لم تعودوا كالأطفال فلا تدخلوا ملكوت السماوات»، على ما يُخبر متّى في كتابه عن «الخبر المُفرح» (المعنى الحرفي لكلمة إنجيل). لكنّ كلام يسوع في كتاب متّى يبدو كأنّه جزء من مجموعة من الكلمات جمعها متّى معاً دون سياق.

لوقا، من جهته، يضع جملة شبيهة في سياق حادثة محدّدة، فيُخبر بأنّ البعض حاول أن يمنع الأطفال من الاقتراب من يسوع فما كان منه إلّا أن دعاهم لترك الأطفال يأتون إليه وأضاف: «لأنّ لمثل هؤلاء ملكوت الله».
في الحالتين، لم يفسّر يسوع مقصده تماماً. ما هو وجه الشبه بين الذي يدخل ملكوت السماوات (الجنّة) والأطفال، وكيف يعود الإنسان إلى الطفولة، إلى الموقف الذي يتميّز به الطفل؟

الجملة تفتح الباب أمام التفسير، ومقنع أن يُقال إنّ موقف الأطفال يتّسم بالتصديق. يسلّم الطفل أمره للأهل لشعوره بالأمان معهم (نتكلّم عن الأهل الأسوياء فقط). من هذه الزاوية، موقف الطفولة هو موقف الإنسان المسلّم أمره لله، الذي يشعر بأنّه مهما كانت الظروف فإنّ الله يعتني به كما تعتني الريح بالعصافير، والهواء بالرئتين، هو موقف مَن جعل من الله مركز حياته، أو ربّان السفينة في خضمّ أمواج الحياة. بالطبع الأمر يأتي فقط على سبيل التشبيه، فالإنسان البالغ يبقى هو الربّان الفعليّ، إذ لن يتّخذ أحد قراراً عن البالغ في أمر أو آخر، بل على الإنسان أن يتحمّل مسؤوليّاته.

المهمّ في التشبيه هو المغزى العام، المهمّ أنّ الأمان يجعل الطفل مُصغِياً إلى أهله الأسوياء، «مُطيعاً» لهم، والطاعة كلمة غامضة ويشوبها سوء الفهم، فعادة ما يعني فيها مستعملوها «الخضوع»، بينما أصل الكلمة في اللاتينيّة يفيد معنى الإصغاء. يُصغي الطفل إلى أهله الأسوياء لأنّه يشعر بهذا الحبّ الذي منحوه له، وبذلك يُسلم لهم، لمشيئتهم ويمشي على هدى كلمة الحياة التي يؤمن بأنّها موجودة في كلماتهم. هكذا، عندما «يعود» وبالأحرى يكون الإنسان مع الله «مثل الأطفال»، يؤمن بأنّ كلمة حياة موجودة في المعاني التي ألقاها الله بطريقة ما (يُقال لها الوحي) في كلمات البشر، فيحاول أن يقرأها ويُصغي إلى معانيها، ويمشي في هُداها.

لكنّ الإصغاء ليس الميزة الوحيدة في الطفولة. هناك ميزة أخرى حاضرة وينساها الكبار لأنّهم معظم الأحيان حين يجدونها في الأطفال لا يفهمونها، ويتبرّمون منها، وحبّذا لو يتعلّمون منها. هناك ميزة أخرى ظنّي أنّ يسوع كان يقصدها أيضاً حين قال جملته تلك، ميزة محفورة في الجسد والنفس، تطفو إلى السطح في العام الثاني لميلاد كلّ إنسان، وتعبّر عن نفسها بكلمة واحدة، خارقة، هائلة، صاعقة، أخّاذة، ثوريّة عند مَن يتأمّلها، كلمة: «لا».

في العام الثاني، يبدأ الطفل بتمييز نفسه عن محيطه ككائن مستقل وليس كامتداد للأهل، كائن له كلمته وغير خاضع لإرادة الأهل بشكل أوتوماتيكيّ. يؤكّد الطفل نفسه وحرّيته (المتعثّرة بالطبع) كإنسان متمايز عبر تلك الكلمة الرائعة: «لا». هي لا النافية للخضوع، لا النافية للعبودية، لا النافية للإلغاء، إنّها لا من أجل الحرّية. يُعقلن الكبار أحياناً كثيرة مواقفهم الذليلة بضرورة «الواقع». الأطفال في قولتهم «لا»، التي تستمرّ لفترة طويلة في عمر السنتين، يرفضون الخضوع ويسعون إلى الوجود أحراراً.

بهذه الـ«لا» يمكن للأطفال أن يذكّروا الكبار بالأمر الحقيقيّ الواقعيّ المُسجّل في كيانهم ألا وهو الحرّية، الحرّية التي بها نكون أنفسنا لا أدوات ولا وسائل. الله لا يحتاج إلى عبيد، إلى رضوخ ذليل، هو جعل من الحرّية جزءاً من الجسد والنفس، يعبّر الإنسان عن وجودها في تلك الـ«لا» الصارخة في عمر السنتين، «لا» تذكّرنا بالحاجة الدائمة إلى تحقيق حرّيتنا، إلى الثورة على كلّ شخص، أو بنية، أو مؤسّسة، أو حكم، أو كيان، يحاول أن يحوّلنا إلى وسائل وأدوات يستعملها لبلوغ أهدافه. الله خلقنا أناساً نسعى إلى الحرّية، لنتحرّر ونُحرّر، لا لنخضع.

ما نحتاج اليوم في لبنان، وسوريا، وفلسطين، هو أن نعود كالأطفال، أن نقول: «لا» للصهيونيّة، تلك الموجودة كدولة وتلك المعشّشة في العقول، أن نقول: «لا» للإمبراطورية التي تريد إخضاعنا، للاستعمار الذي يريدنا عبيداً، ونحتاج أن نكون بالغين فنعدّ أنفسنا لوسائل المقاومة، عوض الانتظار واللامبالاة بالمصير.

حينها نكون في طريق حرّية، مخلصين لوصيّة الحرّية التي سجّلها الله في كيان كلّ إنسان، مخلصين لشعبنا، مخلصين لأنفسنا، مخلصين لله، مدافعين عن كرامتنا الإنسانيّة جميعاً. هذا الإصغاء إلى روح الله الذي يحتجّ في كلّ إنسان أخضع نفسه، هو ما قد يفتح لنا باب الملكوت، إن أحببنا وطلبنا الحرّية حتّى النهاية. وعلى طريق الحرّية التي نخوضها محبّة بأنفسنا وبالناس وبالله، منّا مَن قد ينال الشهادة فيكون أعظمنا في الملكوت.

* كاتب وأستاذ جامعي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك