ما بعد الحداثة السياسية السورية: العودة إلى تصوُّرات الجماعات الأهلية

تاريخ البلاد عموماً أصبح، في ضوء «الحكم الديني-الأهلي» الحالي، قابلاً ليس فحسب لمعاودة التأويل، بعيداً عن التاريخ الرسمي الهشّ، بل كذلك لاستخدام أدوات بحثية أقرب ما تكون إلى الفهم السوسيولوجي للصراعات السياسية، ولا سيّما تلك التي تتخلّلها أو تصوغها المجازر والمذابح الجماعية وأعمال التطهير العرقي.
وهو ما لم يحدث منذ الاستقلال، لأنّ صيغة الدولة الأمّة التي أرساها الانتداب بعد انهيار السلطنة العثمانية، كانت تحول دون مقاربة أنماط الحكم بمنظور يأخذ في الحسبان تصوّرات الجماعات الأهلية عن نفسها وعن علاقتها بالجماعات الأخرى. على اعتبار أنّ الصراع السياسي، منذ عام 1920 أقلّه، كان محصوراً بالأحزاب أو الكتل السياسيّة، والتي هي نتاج الفضاء السياسي والسوسيولوجي، وحتى الثقافي، للدولة الأمة، التي نشأت بمعيّة الانتداب وتحوّلات الصراع الوطني معه، على امتداد الجغرافيا السورية.
العودة إلى التصوّرات الخاصّة بالجماعات الأهلية سببها فَشَل مشروع بناء الدولة-الأمّة، الذي وَصَل إلى خواتيمه مع سقوط النظام السابق. فهذا الأخير مثّلَ، إلى حين اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، الامتداد الطبيعي للحداثة السياسية (مع كلّ التشوّهات المافيَوية والسلالية التي اعترته لاحقاً) التي نَشَأت مع سقوط الدولة العثمانية ومجيء الانتداب، بتصوّر محدّد عن التقسيمات الجغرافيّة في المشرق، التي يُراد إنشاء دول عليها.
استخدام البُنى الأهلية كأدوات في صراعات العثمانيين
قبل ذلك، كانت السلطنة العثمانية هي الشكل الأمثَل لصيغة ما قبل الدولة الأمّة أو الدولة القومية هنا، حيث حكّام الولايات الممثّلون للرابطة السلطانية هم الإطار الذي تنتظم من خلاله العلاقات والهياكل الأهلية، ولكن عبر أكثر الصيغ بدائيةً وعنفاً حتى. قبل الاحتلال العثماني، لم تكن المذابح بحقّ الجماعات الأهلية المتمرِّدة لتأخذَ شكلَ تطهيرٍ عرقيّ، على طريقة أعمال القتل الخاصّة بالأرمن واليونانيين بُعيد الحرب العالمية الأولى.
البُعد الجيوسياسي للتطهير العرقي الخاصّ بالصراع على تَرِكة السلطنة العثمانية، يُخفي خلفَه الأدوات الفعلية التي كانت تُخاض من خلالها صراعات العثمانيين مع خصومهم السياسيين في الداخل والخارج. وهذا لم يحصل فحسب في الفترة التي بدأت فيها السلطنة بالتفكّك، نتيجة خسارتها في الحرب العالمية الأولى، بل قبل ذلك بعقود، حين كانت لا تزال قادرة على إدارة ولاياتها بمزيجٍ من البطش العسكري والدهاء السياسي. الحرب الأهلية بين عامي 1840و1860، شهِدت أكثرَ فصول مواجهة الجماعات الأهلية وحشيةً، حيث، بالإضافة إلى مساندة ولاة السلطنة في جبل لبنان في حربهم ضدّ التمرّد الفلّاحي الذي قاده طانيوس شاهين، كانت ثمّة مذبحة حصَلَت بحقّ المسيحيين الدمشقيين، في واقعة شهيرة عُرِفت في الثقافة الشعبية في تلك المرحلة باسم «طوشة الشام».
وبين هذه المذبحة وتلك، كانت حملات الملاحَقة العسكرية والأمنية للأقلّيات الأخرى، مثل الدروز والعلويين والشيعة، تتوالى، بحيث لم تكن تمرّ سنة أو اثنتان إلا وتحصل مَقتَلة جديدة، إلى درجة اتخاذ المواجهات غير المتناسبة أو المتكافئة بين الطرفين طابعاً جغرافياً. في ذلك الوقت، بدت «المناورة الجغرافية» إذا صحّ التعبير، المتمثّلة في لجوء هذه الجماعات إلى الجبال، بمثابة درع يحميها من بطش السلطات العثمانية، ويخفّف في الوقت ذاته من وطأة عدم التكافؤ العسكري، في العديد والعتاد، بحيث يصبح ثمّة تعادل رمزي بين الطرفين، يبطل جزئياً مفعولَ التفوّق العسكري العثماني. وهو ما كانت القاعدة الصناعية البدائية للحكم العثماني، سواء في التسليح أو في المواصلات والقدرة على الوصول إلى الجبال تسمح به.
ثمّة ضرورة لعقد مقارنات مع تلك المرحلة، ليس فقط لفهم الديناميات التي تجعل من الأحداث الحالية نسخةً رديئة وهَزَلية عن المرحلة العثمانية، بل لفهم طبيعة وتركيبة علاقات القوّة نفسِها بين مرحلتين تفصل بينهما مئة عام
الحروب الأهلية المصحوبة بالتطهير العرقي كانت تحصل بوتيرة عالية آنذاك، ليس بسبب وَهَن السلطنة، ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي الفترة ذاتها التي شهدت الإصلاحات الإدارية تحت ضغط مواجهة الحملات الغربية ضدّ الحكم العثماني، بل لأنّ البنية التي كانت تقوم عليها الولايات العثمانية في الأقاليم العربية، كانت تسمح بحصول توتّرات كبيرة بين الجماعات الأهلية والطوائف والأعراق.
الحرب الأهلية في منتصف القرن التاسع عشر في لبنان وسوريا كانت مدعومةً من الولاة العثمانيين في دمشق، بغرض إضعاف التمرّد المسيحي ضدّ الإقطاع السياسي اللبناني، سواء في كسروان أو في الشوف لاحقاً، وحين وصلت تبعاتها إلى دمشق، مع الهجوم البربري حينها على الأحياء المسيحية في باب توما، لم تُظهِر السلطات العثمانية جديةً في معالجة الأمر، واكتفت بمحاسبة شكلية للجناة، مع القيام بتعويضات بسيطة على السكّان المتضرّرين من المجزرة وأعمال هدم البيوت وإحراقها.
هذا الأمر لم يكن بمثابة تمييز بين الجماعات الأهلية فحسب، بل كان أقرَبَ إلى عملٍ منهجيّ لا تتولّاه السلطات بنفسها حتى لا تُتهم بارتكاب المذابح بحقّ الأقلّيات وتشجيع النعرات الطائفية، وإنما تتركه للولاة والمجموعات المحلّية، بغرض تأليب الجماعات بعضها على بعض، وتقوية روابط أهلية بعينها على حساب أخرى، كما حَدَث في لبنان مع الإقطاعيين الدروز الذين لاقوا دعماً في حربهم ضدّ التمرّد الفلّاحي الذي قاده طانيوس شاهين آنذاك.
استعادة التاريخ كملهاة أو مهزلة
البنية الأهلية التي كانت تقوم عليها الولايات العثمانية في المشرق هي ذاتُها التي يُعاد إنتاجها اليوم، في سياق الانتهاء من الحداثة السياسية السابقة ودفنها، بحيث لا تنشأ علاقات أو روابط بين الجماعات أو الطوائف إلا من تحت، وبقيادةٍ وإمساكٍ مباشريْن، لا وجود لحلقات وسيطة فيهما، من رجال الدين وزعماء العشائر والوجاهات، القادرة على تقوية الروابط القديمة السابقة للحداثة، سواء السياسية منها أو القَبَلية.
على أنّ ذلك يحصل في ظروف تاريخية مختلفة وسياقات مغايرة لطبيعة الحُكم السلطاني المُطلَق؛ أي من دون امتلاك أدوات القوّة الفعلية التي كانت تملكها السلطنة، لجهة عدم وجود حداثة سياسية في الإقليم آنذاك، قادرة على مجابهتها، فضلاً عن غياب أيّ ملمح للوعي السياسي المصاحِب لنشوء الدولة-الأمّة القومية.
ومع ذلك، ثمّة ضرورة لعقد مقارنات مع تلك المرحلة، ليس فقط لفهم الديناميات التي تجعل من الأحداث الحالية نسخةً رديئة وهَزَلية عن المرحلة العثمانية، بل لفهم طبيعة وتركيبة علاقات القوّة نفسِها بين مرحلتين تفصل بينهما مئة عام، على اعتبار أنّ هذا الشكل من علاقات القوّة بين الحُكم والقيادات الأهلية والمحلّية هو الذي استندت إليه السلطنة العثمانية لإدارة الولايات العربية في الشام ولبنان وفلسطين والأردن، قبل حدوث التقسيمات الجغرافية الاستعمارية في المشرق وظهور هذه الكيانات الهشّة والمصطَنعة إلى العلن في عشرينيات القرن العشرين.
والحال أن الروابط ما قبل الحداثية، التي قامت عليها بنية الولايات العثمانية حينها، كانت موجودة منذ الخلافة الإسلامية بمراحلها المختلفة، ولكن تحويلها إلى أدوات للسيطرة والحُكم، عبر تقوية نفوذ جماعة على حساب أخرى، والتلاعب بالهويّات الطائفية والأهلية، جَعَل من هذه التعدّدية الأهلية، ما قبل الحداثية، عنصرَ تفجيرِ مستمرٍّ، وعاملاً مساعِداً على تغذية النزاعات الأهلية، وصولاً إلى استخدام الحروب بين الجماعات نفسِها، كوسيلة لإدامة سيطرة المركز العثماني، والحدّ من تقهقر نفوذ السلطنة، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر.
* كاتب سوري
