عودة «الضغوط القصوى» على إيران: أميركا تصعّد... ولا تحرق الجسور

بدأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تنفيذ أولى خطوات استراتيجيته الهادفة إلى دفع إيران إلى طاولة المفاوضات، مع سعيه لضمان موقع قوّة يمنحه اليد الطولى في تحديد شروط تلك المفاوضات ونتائجها مسبقاً. وفي هذا الاتجاه، أعلن ترامب، أول من أمس، أنه وقّع أمراً تنفيذيّاً أعاد بموجبه تفعيل سياسة «الضغوط القصوى» على الجمهورية الإسلامية، مرفقاً إيّاه بتهديد الأخيرة بأنها ستواجه «محواً كاملاً»، إذا ما حاولت استهداف حياته أو التخطيط لاغتياله. ولا يقتصر تطلّع ترامب، من وراء العملية التفاوضية المحتملة مع طهران، على تفكيك بنية البلاد التحتية النووية، بل يمتدّ ليشمل تقييد نفوذها الإقليمي، ومنعها تالياً من تقديم الدعم المالي والعسكري لحلفائها من الكيانات العسكرية غير الدولتية.
وإذ جاءت خطوة تفعيل «الضغوط القصوى» في مرحلة حسّاسة للغاية، فإن المسؤولين في كل من واشنطن وتل أبيب يراهنون هذه المرّة على إمكانية نجاحها، نظراً إلى غياب الكثير من التعقيدات والعراقيل قياساً إلى ما مضى، حين انسحب ترامب من الاتفاق النووي في ولايته الأولى. على أن الرئيس الأميركي يعتمد، في مواجهته المتجددة مع إيران، سياسة «عدم الاستعجال»؛ إذ يسعى إلى تأمين مقدّمات نجاح مقاربته، قبل الدخول في أيّ مفاوضات مباشرة بين البلدين. ومن بين تلك المقدمات، تأكيده أنه يسعى إلى الخيار السياسي مع الإيرانيين، وإن كان يلمّح، لزوم ترهيب طهران مسبقاً، إلى استعداده للجوء إلى خيارات متطرّفة.
يضاف إلى ما تقدم، الترويج لترتيب إقليمي جديد (سياسيّاً واقتصاديّاً)، أبرز وجوهه التطبيع بين السعودية وإسرائيل، والذي يسعى إليه ترامب لذاته، وكذلك بوصفه وسيلة ضغط إضافية على إيران، قبل «جلبها» إلى طاولة المفاوضات. وأما المقدمة الثالثة، فهي العودة إلى سياسة «الضغوط الاقتصادية القصوى» على الجمهورية الإسلامية، لتجفيف مواردها المالية عبر منعها من تصدير نفطها، أي «تصفير» أهمّ عائداتها المالية.
وفي الموازاة، يستعجل ترامب ترتيب الساحات المختلفة في الإقليم - حيث لإيران نفوذ متفاوت -، ودفعها إلى التماهي أكثر مع الإدارة الأميركية، الأمر الذي يفيد أميركا في اتجاهَين: الهدف الذاتي المتمثل بإلحاق هذه الساحات بواشنطن، والضغط على طهران للحدّ من نفوذها فيها. أيضاً، لا يتردّد ترامب في التلويح بالخيار العسكري الإسرائيلي كأداة ضغط على إيران، لدفعها نحو التفاوض من موقع ضعف، وهو يكررّ دائماً، لدى إثارة القضية الإيرانية، أنه يأمل بنجاح المفاوضات، وألَّا تضطرّ تل أبيب للّجوء إلى الخيار العسكري، إذا لم تستجب طهران للضغوط الاقتصادية والسياسية.
وترتكز استراتيجية ترامب على استغلال ما يعتبره «ضعفاً غير مسبوق» لإيران في هذه المرحلة، بفعل تعرض بنيتها التحتية النووية والتسليحية والدفاعية لأضرار كبيرة جرّاء الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، و«فقدان» العديد من حلفائها الإقليميين لقدراتهم العسكرية والمالية، بحسب ما تروج له السردية الأميركية - الإسرائيلية.
أمّا في التباينات، فتبرز لدى «الحليف الإسرائيلي» شكوك في نجاعة ما يُخطَّط له، وذلك على خلفية ما يأتي:
- على رغم إدراك إسرائيل أن إيران 2025 ليست إيران 2017، بالمقارنة بين ولايتَي ترامب الرئاسيتَين، إلا أن تل أبيب لا تزال تؤكد أن طهران لن تستجيب للضغوط، إلّا في حال أدركت أن هناك خياراً عسكريّاً، أميركيّاً لا إسرائيليّاً، جديّاً، سيتمّ اللجوء إليه تلقائيّاً في حال لم تستحصل أميركا وإسرائيل على ما تريدانه من العملية التفاوضية.
- يرفض ترامب الالتزام بالخيار العسكري الأميركي، في حال فشل المفاوضات مع إيران، ويرفض كذلك التهديد الجدّي والموثوق باستخدام خيار كهذا في سياق الضغط على طهران، وهو يستعيض عنه هذه المرّة بالخيار العسكري الإسرائيلي، الذي لا ترى تل أبيب أنه كافٍ ومجدٍ لدفع طهران إلى التنازل.
- ترى واشنطن أن ثمة مقدمات ينبغي تأمينها مسبقاً، بهدف ضمان نجاح الخيار الدبلوماسي الذي تفضّله، وهو ما لا يرقى كثيراً إلى سقف الطموحات الإسرائيلية، وإنْ كانت تل أبيب ترى، هذه المرّة، أن المقاربة الأميركية باتت مغايرة ويمكن الرهان عليها، قياساً إلى ما كانت عليه الأمور في ولاية ترامب الأولى.

