إيران في مفاوضات عُمان: أوراق القوة ليست متضائلة
عندما بدأت المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في ظلّ اشتداد التوتر في المنطقة، بدت وكأنها محاولة أخيرة من الطرفين لنفض اليد من المسؤولية عن أيّ أوضاع كارثية يمكن أن توصل إليها حرب محتملة واسعة.


عندما بدأت المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في ظلّ اشتداد التوتر في المنطقة، بدت وكأنها محاولة أخيرة من الطرفين لنفض اليد من المسؤولية عن أيّ أوضاع كارثية يمكن أن توصل إليها حرب محتملة واسعة. وكان الانطباع السائد، وقتها، أن فرص التوصل إلى اتفاق عبر تلك المفاوضات محدودة جداً، ولكنّ جولتين فحسب من الاجتماعات بين وفدَي البلدين، وما تلاهما من تصريحات صادرة عن كليهما حول «إيجابية» أجواء التفاوض، بدت كافية لبثّ أمل حقيقي في إبرام صفقة جديدة.
ذلك أن الحرب ليست سوى وسيلة لتحقيق هدف سياسي، ومتى شعر كلّ من طرفَيها أنه يمكن له أن يحقّق ما يرضيه من دونها، تصبح عبئاً على من يصرّ عليها؛ وإذا كانت هذه هي الحال في حرب مقتصرة على طرفين، فكيف بصراع يتعلّق بدولة كإيران، ومن شأن عسكرته أن تؤثر كثيراً في السياسات الدولية، وتحوّله إلى واحد من الصراعات الكبرى التي لم يشهد العالم أي شيء بحجمها منذ الحرب العالمية الثانية، إذا ما استثنينا الحرب الكورية عام 1953، والحرب الروسية – الأوكرانية الجارية؟
هنا، يجدر الأخذ في الحسبان أن حرباً كهذه، إن وقعت، ستكون في خلفيتها أزمة أوكرانيا والتوترات المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة بسبب تنازعهما التجاري. وفي ظلّ أوضاع كتلك، لن تبقى آثار حرب أميركية – إسرائيلية على إيران محصورة في الشرق الأوسط، بل ستكون لها آثار ممتدة تطال العالم كله. وهذا وحده يمكن أن يقنع الإيرانيين بأنهم ليسوا بلا حيلة أمام عدو شرس قادر على الفتك بهم من دون أن يستطيع أحد وقفه، كما حصل في العدوان الإسرائيلي على كل من غزة ولبنان وسوريا التي لم يشفع لها أن تعلن كل يوم أنها لا تريد محاربة الكيان.
وعندما يكون الأمر كذلك، يصبح أكبر من إسرائيل، التي لا تخفي انزعاجها من إمكانية التوصّل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، وتزداد توتراً كلما لاحت فرص الاتفاق بشكل أكبر. ولذا، إن إسرائيل تسعى إلى تخريب المفاوضات، وتريد شيئاً واحداً هو أن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة إلى إيران. وحتى رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، يعتبر هكذا ضربة مشروع حياته الذي يطوّبه ملكاً على إسرائيل، ويعفيه من كل مساءلة.
منطقياً، يجب ألا يكون نتنياهو قادراً على تخريب اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة متى توافرت شروط بلورته. إذ ثمة تجربة تفيد بهذا التقدير، هي الاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2015، وكان نتنياهو معارضاً له بشدة، وذهب إلى الكونغرس ليعلن رفضه له من هناك، متجاهلاً الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما؛ ورغم كلّ ما فعل، تم الاتفاق على «خطة العمل المشتركة الشاملة».
أما هذه المرّة، فلا يستطيع نتنياهو أن يذهب إلى الكونغرس لإلقاء خطاب ضد اتفاق محتمل، من خلف ظهر ترامب، رغم أن الأخير يقيم حسابات لقوة إسرائيل في الولايات المتحدة. ذلك أن ثمة أسباباً كثيرة تدفع إلى الاعتقاد بأن للرئيس الأميركي مصلحة في إبرام صفقة؛ علماً أنه حين مزّق «الخطة» السابقة عام 2018، قال إنه يريد التوصّل إلى صفقة أفضل لأميركا وإسرائيل، في حين أنه في ظل التوترات العالمية التي أطلقها اليوم، قد يحتاج إلى اتفاق مع طهران يساعده في تحقيق شعاره الانتخابي، المتمثل بإنهاء الحروب وليس إشعالها.
وفي الوقت نفسه، من شأن اتفاق مع إيران أن يجنّب الخليج كارثة لا أحد يمكنه تقدير مداها. وقد كانت مسارعة السعودية إلى إرسال وزير دفاعها، خالد بن سلمان، إلى إيران ليعلن منها رفض بلاده هجوماً على الجمهورية الإسلامية، مؤشراً إلى ما يتخوّف منه أهل المنطقة في حال وقوع حرب. كما من شأن الاتفاق أن يجنّب العالم أزمة في إمدادات النفط؛ والشرق الأوسط الغارق في الدماء مزيداً من توسيع الصراع؛ وربما يفتح أفقاً لوقف الحرب في قطاع غزة، ويُخرج واشنطن مما يبدو حتى الآن ورطة لا أفق لها في اليمن؛ فيما قد يتيح أيضاً إقامة ترتيبات لاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط الذي تعتبره واشنطن منطقة نفوذ حصرية لها، وتمثّل طهران مفتاحاً لحل الكثير من مشكلاته. ولهذا كله، يمكن للأخيرة التفاوض من موقع القادر، والحصول على مكاسب لها ولكل حلفائها، بمن فيهم الفلسطينيون.
وعلى أي حال، إذا استمرّت المفاوضات إلى مرحلة نصبح فيها أمام قرار بالوصول إلى اتفاق من عدمه، ستتدخّل إسرائيل مرة أخرى لمحاولة إسقاطه، وسيقف ترامب أمام منعطف؛ فإما أن يختار الاتفاق ويجازف بالتفاهم مع إسرائيل، وإما أن يختار توجيه ضربة إلى إيران، ويسعّر بشكل كبير التوتر السائد في العالم حالياً، ويخاطر بمصالح أميركية كبيرة.
