ترامب بمواجهة «اللغز» الإيراني: الحرب ليست خياراً
على رغم التهديدات التي أطلقتها بعمل عسكري ضد إيران لمنعها من انتاج سلاح نووي، إلا أن الخيارات الأميركية للتعامل مع إيران، خارج تشديد العقوبات، تبدو محدودة.


في الأسابيع الماضية، كانت إيران محور خلاف كبير بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، دفع بالأول إلى استبعاد مجموعة كاملة من كبار الموظفين الأشدّ ولاء لإسرائيل في البيت الأبيض، وإعلان مقاطعة الثاني بعد أن اتهمه بمحاولة التلاعب به. وفاضت الصحف الأميركية والإسرائيلية، منذ ذلك الحين، بتحليلات عن أن من تمّ استبعادهم هم «صقور إيران» الذين يريدون حرباً معها، لمصلحة من وُصفوا بأنهم «حمائم إيران»، أي أولئك الذين يريدون التوصل إلى اتفاق نووي جديد معها، ويعارضون أيّ عمل عسكري ضدها.
في الأيام الماضية، بدا أن المشهد تغيّر، أقلّه بالشكل الذي عكسته إسرائيل بعد اتصال هاتفي بين ترامب ونتنياهو، تركّز على الملف النووي الإيراني، وقال الرئيس الأميركي إنه «سار بشكل جيد». إذ أوحت إسرائيل بأن ثمة فرصة لديها لتوجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية، كان يرفضها ترامب، بعدما روّجت لانهيار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وهو إيحاء أرفقه رئيس وزراء العدو بدعوة شركائه في الائتلاف، الذين يهدّدون بفرط الحكومة بسبب قضية تجنيد «الحريديم»، إلى البقاء لاستغلالها، فيما بدا لافتاً تدخل سفير ترامب نفسه لدى إسرائيل، مايك هاكابي، للمساعدة على لملمة الائتلاف المهدَّد بالسقوط، وفقاً لإعلام العدو.
والواقع أن التقلّب ليس جديداً على ترامب، الذي أظهر منذ ولايته الأولى قدرة فائقة على طرد كبار مسؤولي إدارته بصورة مفاجئة، بشكل لم يفعله أي رئيس أميركي قبله؛ بينما الثابت الوحيد لديه هو ولاء أعضاء الإدارة المطلق له، إلى درجة شبّهته معها صحيفة «نيويورك تايمز»، في تحليل لها قبل أيام، بالملك الفرنسي، لويس الرابع عشر، صاحب مقولة «أنا الدولة والدولة أنا». ولا تُستثنى من ذلك إسرائيل التي أزعجها أن يُقيل ترامب مجموعة من المسؤولين الذين ظهر له أنهم أكثر ولاء لها مما هم له. ومع هذا، لا يعكس ما حصل أكثر من مشكلة في العلاقة مع نتنياهو، لا تمسّ، في أي حال، بالالتزام الأميركي بأمن إسرائيل.
على أن ترامب، بصفته مقاولاً أمضى جلّ عمره في هذه المهنة، يعرف كيف يستخدم أسرارها في السياستين الدولية والداخلية، أي إنه يعرف تماماً وسلفاً ما هي الصفقة الرابحة أو الخاسرة، بل يمكن القول إن التجربة أثبتت أنه تمكّن دائماً من تجنّب الصفقات الخاسرة. وهو لديه كذلك جيش من المساعدين الخُلّص، من أصدقائه القدامى، المقاولين مثله، الذين يستخدمهم في تنفيذ سياساته، بغض النظر عن مستوى المناصب التي يحتلونها. من هؤلاء ستيف ويتكوف الذي أمسك بأهم الملفات الدولية، من أوكرانيا إلى غزة وإيران، مع أن توصيفه الوظيفي هو الموفد الخاص إلى الشرق الأوسط؛ ومنهم أيضاً توماس براك، الذي يمسك بملف سوريا وربما يُضاف إليه لبنان، مع أن وظيفته هي سفير لدى تركيا.
تبدو الخيارات الأميركية للتعامل مع إيران، خارج تشديد العقوبات، محدودة بالفعل
انطلاقاً من خبرته تلك، يعرف ترامب أن الملف النووي الإيراني ليس مسألة تحتمل التقلّبات، أو يمكن المجازفة فيها بمسايرة نتنياهو، وفق ما أظهرته الإقالات نفسها. كما إنه يعرف أكثر أن طهران التي أظهرت استعداداً هائلاً للتفاوض، وبالتالي للتنازل حيث يمكن، ليست خصماً سهلاً عندما لا يعود لديها ما تخسره. ولذا، فقد كرّر، بعد المكالمة مع نتنياهو، أنه يريد اتفاقاً مع إيران من دون قتل ودمار، ثم زاد أن إيران منخرطة في المفاوضات لتبادل الأسرى مع حركة «حماس» في قطاع غزة، في ما يمثّل اعترافاً صريحاً بوزنها ودورها.
وحتى بالعودة إلى تركيبة الإدارة نفسها، يتضح أن هويتها الغالبة، خصوصاً بعد الإقالات الأخيرة، هي «أميركا أولاً»، ما يفيد بأنه عندما تتضارب المصالح مع أي دولة أخرى، بما فيها إسرائيل، يكون الخيار حاسماً لمصلحة أميركا. وهذا الجناح في الإدارة هو الذي يمثّل هويتها التي استند إليها ترامب للفوز في الانتخابات، بدءاً من شريكه على بطاقة الترشيح، نائبه جي دي فانس. والأخير حمّلته الصحافة الإسرائيلية، إلى جانب نجل ترامب، دونالد جونيور، مسؤولية إقالة الموالين لإسرائيل، والتي شملت مستشار الأمن القومي، مايك والتز، وميراف سيرين التي تحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، وسبق أن عملت في وزارة حرب العدو، وعُينت أخيراً (قبل استبعادها) مسؤولة لملف إيران وإسرائيل في مجلس الأمن القومي، رغم معارضة مؤيدي «أميركا أولاً» لتعيينها، الذي قال كلايتون موريس، مذيع «فوكس» السابق، إن مردّه فقط حملها الجنسية الإسرائيلية.
ومن بين المقالين، أيضاً، إريك تريجر الذي يشرف على ملف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس، والذي أقيل بعدما شوهد يدوّن ملاحظات أثناء تحدّث ترامب مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في اجتماعهم في الرياض خلال جولة الرئيس الأميركي الخليجية. وأخيراً، تأتي نائبة ويتكوف، مورغان أورتاغوس، التي تتولى ملف لبنان، والتي قيل إنها أقيلت بسبب مضايقتها رئيسها.
ثمة في الميزان إذاً، عندما يتعلّق الأمر بإيران، مصالح كبيرة، ظهر جانب هائل منها أثناء جولة ترامب الخليجية، والتي أعلن فيها أنه جمع عدة تريليونات من الدولارات على شكل استثمارات خليجية في الولايات المتحدة. والمصالح تلك ستكون معرّضة للخطر، في حال الحرب مع إيران، وهو ما سمعه ترامب من قادة هذه الدول جميعهم، الذين أكدوا أن الحرب تمثّل تهديداً كبيراً لبلدانهم.
حربٌ حذّر منها أيضاً مدير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافاييل غروسي، الذي قال إن المواقع النووية الإيرانية شديدة التحصين، ويتطلّب الأمر قوة مدمّرة جداً لإحداث تأثير فيها، في إشارة على ما يبدو إلى الحاجة إلى استخدام السلاح النووي لتدميرها، وهو ما يمكن أن يفتح الباب للآخرين للقيام بالأمر نفسه، مثل أن توجّه موسكو ضربة نووية إلى أوكرانيا.
لكل ذلك، تبدو الخيارات الأميركية للتعامل مع إيران، خارج تشديد العقوبات، محدودة بالفعل.
