
بغداد | على وقع التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، يتحسّس العراق مكامن ضعفه البنيوية، في وقت يتعاظم فيه القلق الشعبي والرسمي من التداعيات المحتملة لأي انفجار إقليمي واسع، خاصة مع تحوّل البلاد إلى ساحة تماس جيوسياسية، واقتصاد هشّ يعتمد على النفط ويتداخل بقوة مع الاقتصاد الإيراني.
ورغم استفادة العراق من ارتفاع أسعار النفط عالمياً، لكنّ المحلّلين يحذّرون من أنّ هذه المكاسب قد تكون مؤقّتة أو حتى مضلّلة، في ظل تضخّم تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتباطؤ حركة التبادل التجاري، ما يُنذر بتفاقم العجز المالي وعودة التضخّم إلى مستويات خانقة.
ومع اعتماد العراق على الغاز الإيراني لتوليد نحو 40% من طاقته الكهربائية، فإنّ أي استهداف أو تقليص في ضخّ الغاز يضع بغداد في زاوية حرجة، مع اقتراب فصل الصيف وما يتطلّبه من أحمال كهربائية عالية.
ويتخوّف متابعون من أن تؤدّي الضربات الإسرائيلية المتكرّرة ضد منشآت نووية إيرانية إلى تداعيات مباشرة داخل العراق، سواء على مستوى الإشعاع أو الأمن الغذائي، خصوصاً أنّ الموانئ العراقية تقع قرب المسرح العملياتي، وتكاد تُصنَّف حالياً «مناطق خطرة»، ما أدّى فعلاً إلى ارتفاع تكلفة الشحن البحري والتأمين، في وقت يعاني فيه العراقيون أزمة معيشيّة مستمرّة.
يحوّل التداخل البنيوي مع إيران أي تهديد للأخيرة إلى تهديد مباشر للعراق
وفي هذا السياق، وجّه رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، أمس، غرفة الطوارئ الإشعاعية العراقية بأنّ تبقى في حالة انعقاد دائم، تحسّباً لأي تسرّب إشعاعي من المنشآت الإيرانية المستهدَفة. وجاءت هذه التوجيهات أثناء ترؤّس السوداني اجتماعاً لغرفة العمليات المركزية للطوارئ الإشعاعية والنووية، لمراجعة الخطة الوطنية المقرّة عام 2023. وأشار بيان المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة إلى أنّ الأخير اطّلع على تقارير تفيد بـ«محدودية تأثّر العراق في حال حدوث أي طارئ».
ويشكّل الاعتماد العراقي المفرط على النفط، وتداخله الهيكلي مع إيران في ملفَّي الطاقة والتجارة، أحد أبرز نقاط الضعف الإستراتيجية. فبحسب بيانات رسمية، يستورد العراق من إيران سنوياً ما يفوق 10 مليارات دولار من السلع الغذائية والصناعية، إضافة إلى الغاز اللّازم لتشغيل محطات الكهرباء. وتُشير تقديرات خبراء إلى أنّ أي إغلاق للحدود أو توقّف مؤقّت للتجارة مع إيران، بسبب تطورات أمنيّة أو عقوبات جديدة، قد يترك تأثيرات مباشرة على الأسواق العراقية، خصوصاً في ظل غياب بنية إنتاجية داخلية تضمن الاكتفاء الغذائي أو الطاقوي.
وهذا ما دفع السوداني إلى طمأنة العراقيين، أمس، إلى وجود «خزين محلّي ومستورد كافٍ لمواجهة أي أزمة»، فضلاً عن إعداد «خطط استباقية» لمواجهة سيناريوات الحرب أو الحصار. وبالتوازي مع الإجراءات الحكومية، عقد مجلس القضاء الأعلى اجتماعاً طارئاً مع وزارتَي الداخلية والأجهزة الأمنيّة ونقابة الصحافيين وهيئة الإعلام والاتصالات، لمواجهة «الشائعات ومحاولات زعزعة الجبهة الداخلية»، بحسب بيان رسمي. وأكّد رئيس المجلس، القاضي فائق زيدان، أنّ «المساس بأمن العراق وسيادته خط أحمر»، متوعّداً بعقوبات قانونية رادعة بحق من يروّجون لأفكار قد تهدّد الاستقرار. كما دعا إلى موقف وطني موحّد في مواجهة «العدوان الصهيوني على المنطقة».
في ضوء هذه التطورات، يبدو العراق وكأنه يقف على خط الزلازل الإقليمي، متأرجحاً بين حاجته الماسّة إلى الطاقة والسلع من إيران، ورغبته في تفادي أي ارتدادات أمنيّة أو إشعاعية للصراع الدائر. ويحوّل التداخل البنيوي مع طهران، سواء في الطاقة أو التجارة أو حتى الأمن، أي تهديد لإيران إلى تهديد مباشر للعراق، ما يجعل الهوامش السياسية المتاحة أمام بغداد ضيّقة جداً.
ويُشير الخبير الاقتصادي العراقي، همام الحيدري، إلى أنّ «العراق يدفع اليوم ثمن اعتماده المفرط على الاستيراد، خصوصاً من إيران التي تشكّل شريانه الأساسي في السلع الغذائية والطاقة». ويضيف، في تصريح إلى «الأخبار»، إنّ «أي اضطراب في العلاقات أو حركة التبادل مع طهران سينعكس مباشرة على الأسعار في السوق العراقية، سواء من ناحية توفّر البضائع أو كلفة إيصالها». ويحذّر الشماع من أنّ تصاعد التوتّر الإقليمي قد «يعيد مشهد أزمة 2018، حين أدّى تقليص ضخّ الغاز الإيراني إلى انقطاعات كهربائية واسعة»، لافتاً إلى أنّ «ضعف البنية الإنتاجية الداخلية، وعدم وجود مصادر بديلة جاهزة، يضعان العراق في موقع هشّ جداً أمام الأزمات الخارجية».
وعلى صعيد حركة الطيران المدني، وفي ظل المخاوف المتزايدة من إغلاق محتَمل للأجواء أو تحوّل العراق إلى منطقة عبور محفوفة بالمخاطر، يقول مدير المطارات العراقية، حسين الزبيدي، في تصريح إلى «الأخبار»، «إننا نتابع التطورات الإقليمية بدقة، وفرَقنا الفنية والإدارية في حالة استنفار دائم للتعامل مع أي طارئ. ورغم التحديات المحتَملة في حال توسّع النزاع، نحاول الحفاظ على انتظام حركة الرحلات وتسهيل تنقّل المسافرين إلى وجهاتهم الداخلية والخارجية».
ويحذّر النائب كاظم الشمري، من جهته، من أنّ البلاد «تواجه أزمة اقتصادية حقيقية، قد تتفاقم في حال استمرار التصعيد العسكري في المنطقة». ويوضح، في تصريح إلى «الأخبار»، أنّ «الاقتصاد العراقي يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية بسبب اعتماده الكبير على الاستيراد، سواء في السلع الغذائية أو المواد الأولية، وإيران تُعد المزوِّد الرئيس للعراق في هذه المجالات بحكم القرب الجغرافي وسهولة التوريد».
ويضيف إنّ «أي تصعيد إضافي قد يؤدّي إلى توقّف تدفّق البضائع والسلع من إيران، ما يهدّد الاستقرار الاقتصادي والمعيشي داخل العراق، خصوصاً أنّ مناطق واسعة من البلاد تعتمد بشكل مباشر على الغاز والطاقة الكهربائية الإيرانية، لا سيّما في المحافظات الحدودية». ويختم بالقول: «نتوقّع أن نواجه أزمة حقيقية إذا تعطّلت هذه الواردات، وهو ما يتطلّب تحرّكاً حكومياً عاجلاً لتأمين بدائل فورية وتخفيف الاعتماد على مصدر واحد».

