رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [6]

![رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [6]](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2025/2/28/c3ca4d76-3ab8-4dd2-999c-6ecbf92c4d7e/2.jpg?width=1200&format=jpg)
لا يزال الحديثُ هنا يتناولُ كتابَ باسم السبع الجديد، «لبنان في ظِلال جهنّم: من اتّفاق الطائف إلى اغتيال الحريري»، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. والسبع أطلقَ كتابَه في الرياض وخضع لمقابلة تلفزيونيّة عنه. في المقابلة، سخِرَ السبع من السياسيّين الذين كانوا تابعين للنظام السوري، إلّا أنّه (كما في الكتاب) يتحدّث، ومن دون حَرج، عن علاقة قويّة مع غازي كنعان (الذي زاره في منزله، وكان نادراً أن يزور كنعان السياسيّين في منازلهم خصوصاً إذا كانوا من المعارضين للنظام السوري حسب ما يدّعي السبع)، بالإضافة إلى علاقة حميمة مع عبد الحليم خدّام.
أشكّ أنّ الذين يصِفهم بالتابعين للنظام السوري كانوا على علاقة أكثر حميميّة منه مع رمزَي السيطرة السوريّة على لبنان في تلك الحقبة. وفي المقابلة المذكورة التي خلطَ فيها السبع الأسماء والتواريخ، برّرَ تحالف بشير الجميّل مع إسرائيل، ووصف التحالف أنّه كان من أجل الدفاع عن النفس وربَطَه بمعركة الدامور، كأنّ المراجع المنشورة لا تتحدّث عن علاقة طويلة الأمد بين الكتائب وإسرائيل تمتدّ إلى أوائل الخمسينيّات.
وفي الحديث عن الدَّور النِّضالي لرفيق الحريري (والذي اخترعه له غسان شربل بعد اغتيال الحريري، بتزكية مؤسِفة من ليلى خالد على شاشة «المستقبل») يعترف السبع أنّه لم يسمع من الحريري في السنوات التي كان قريباً منه «أيّ معلومة» عن دَور نضالي له مع جماعة وديع حدّاد (ص. 167). لكنّه يلاحظ أنّ الحريري «استقطب في مجال أنشطته الإنمائيّة والتربوية والسياسيّة شباناً من خلفيّات يساريّة تقدّميّة».
لكنّ السبع لا يبحث في أسباب هذا الاستقطاب. ألَم يخطر لكَ أن تحلّل الظاهرة وأن تتساءل عن أسبابها؟ هل هذا لأنّ الحريري يمثّل مشروعاً تقدّميّاً أم لأنّ «القوّة الماليّة» (كما تسمّيها) للحريري استطاعت أن تشتري كُتّاباً وصحافيّين ومثقّفين من مختلف المشارب، خصوصاً من اليساريّين ذوي التجربة في العمل النقابي والجماهيري والإعلامي؟ لا، يتعامل السبع مع الظاهرة كدليل على انفتاح الحريري، إذ يقول إنّ الحريري لم يمانع التعاون معهم رغم ارتباطه «الوثيق» مع السعوديّة.
ولماذا يمانع عندما يضمَن ولاء كلّ هؤلاء اليساريّين السابقين للسعوديّة؟ ألَم يصبح هؤلاء الأكثر حماسة ومجاهرةً في التملّق للنظام السعودي؟
وينفي السبع عن الحريري أيَّ نَزعة مذهبيّة، ويُعطي أمثلة عن توظيفه لعدد من الشيعة في مناصب عُليا في مؤسّساته، ولكنّه يعترف أنّه لم يكن «منزّهاً عن أيّ مشاعر تُجاه طائفته» (ص. 169). ويذكر أنّ تسمية ياسين جابر لوزارة الاقتصاد كانت بمبادرة من الحريري وليس من برّي (ص. 170).
لكنّ السبع يعترف أنّ علاقة الحريري ببرّي شابها توتّر شديد وإنْ كانت أقل خلافيّةً من علاقته بحزب الله (عندما اغتيل الحريري، كان على قطيعة مع نبيه برّي والقطيعة كانت سِمة مستمرّة في العلاقة). يقول إنّه (أي السبع) ابتعد عن نبيه برّي (بعد سنوات من الصداقة) بعد انتقاله إلى «الحاضنة الحريريّة» ويعلِّل البُعد إلى عدم استعداده للانضواء في «عِداد محازبي حركة أمل والناشطين في الحوزة السياسيّة والإعلاميّة لنبيه برّي» (ص. 172). لكنّه لم يمانع من الانضواء في «الحوزة» السياسيّة والإعلاميّة لرفيق الحريري.
ليس صحيحاً أنّ الحريري عملَ ضدّ اتّفاقيّة 17 أيّار (ص. 173). على العكس، كان الحريري مؤيّداً لجهود الجميّل في التوصّل إلى اتّفاق مع إسرائيل، وكان قريباً جدّاً منه في تلك الحقبة (وكان تأييده يمثّل الرضى السعودي عن الاتفاقيّة). أمّا الزَّعم أنّه كان من العاملين ضدّ الاتّفاقيّة، فله من المصداقيّة ما لدى زَعْم غسان شربل أنّ الحريري أسهم في إطفاء حريق في سيّارة وديع حدّاد في أوائل السبعينيّات عندما تعرّضت إلى قصف بصواريخ إسرائيليّة.
يتحدّث عن افتراق محمد حسين فضل الله عن الحزب في أوائل الثمانينيّات (ص. 178). وهذا ليس صحيحاً إذ إنّ العلاقة كانت قويّة لسنوات طويلة، ووقع خلاف عقائدي في أواخر التسعينيّات لكنّ العلاقة اصطلحت بعد حرب تمّوز وبقيت قويّة حتى وفاة محمد حسين فضل الله في 2010. وكعادة كلّ الشيعة المنضوين في المشروع السعودي والإماراتي، على باسم السبع أن يُثبت معاداته للحركات الشيعيّة التي لا تدور في محوَر الخليج. يقول إنّ «الشيعية السياسيّة» مارست «قوّة التحكّم الرئيسي بمؤسّسات النظام عموماً» (ص. 179).
أي إنّ الحريري الذي كان له فريقُ ظلٍّ في معظم الوزارات بالإضافة إلى الوزارات التي سيطر عليها كان خارج النظام، لم يتحكّم في مؤسّسات الحكم. هل كان الحريري معارضاً للنظام، كما كان يمارس حرب عصابات خفيّة ضدّ النظام السوري، حسب الملاحم الشعريّة التي حِيكَت عن الحريري بعد اغتياله؟ وفي هذا السياق، يقول إنّ الثنائي الشيعي «أطاح» بالزعامات الإقطاعيّة لكامل الأسعد وصبري حمادة.
عندما يصف السبع ميشال سماحة بأنّه «وديعة سورية» فكيف يصِف نفسَه في تلك الحقبة، وهو يعترف أنّ غازي كنعان كان يزوره في منزله وكان ينسّق معه حتى عندما كان يمارس العمل الصحافي في «السفير»؟
لكنْ: كيف أطاحوا بها؟ بأيّ طريقة غير الطريق الديموقراطي عبر صندوق الاقتراع؟ من كان يمنع الشيعة من التصويت لآل الأسعد؟ والسعودية في انتخابات ما بعد اغتيال الحريري كانت تُغدِق الأموال على أحمد الأسعد في محاولة مستميتة لإحياء زعامة عائلته، وأعطته ما يكفي لمَنح كلّ مُؤيّد سيارة ومالاً، وكانت الناس تأخذ عطاياه وتقترع لحزب الله وحركة أمل. أين المشكلة في اندثار الزعامات التقليديّة؟ هل سيقول إنّ الإطاحة بزعامة سليمان العلي في عكّار كانت أيضاً على يد الثنائي الشيعي؟ ويلوم الثنائي على انهيار أحزاب اليسار.
لكنْ: هل أنّ صعود الثنائي لم يكن غير نتيجة مباشرة لهجرة الشيعة أحزابَ اليسار والقوميّة العربيّة؟ لم يكن صعود الحزب والحركة ليحدث لو أنّ الناس بقيت ثابتة على قناعاتها اليسارية والقومية العلمانية. والذي عاش تلك المدة (كما السبع) عليه أن يتذكّر كيف أنّ الناس كانت تترك أحزاب الحركة الوطنيّة وتلتحق بحركة أمل، وكانت المنظّمات الفلسطينيّة واليساريّة تشتبك أحياناً مع «أمل» لأنّها كانت تستقطب المؤيّدين مِن رحم القوّات المشتركة. العمليّة كانت طَوعيّة بالكامل، وليست قسريّة. على العكس، كان هناك ضغوطات في البداية على الذين التحقوا بـ«أمل». أمّا الالتحاق بحزب الله في ما بعد، فكان يكلّف المرء خطراً على حياته، إذ إنّ نظام أمين الجميل المتحالِف مع إسرائيل كان يطارد الحركات المقاتلة ضدّ إسرائيل. وهل يجرؤ السبع على القول إنّ رفيق الحريري أنهى بـ«القوّة الماليّة والسخاء» كلّ الزعمات السُّنيّة في لبنان؟
يقول عن حركة أمل إنّها أوّل تنظيم يتأسّس بناء على «خلفيّة إيرانيّة-فلسطينيّة» (ص. 180)، ولكنّه لا يقول إنّ «القوّات اللّبنانيّة»، مثلاً، تأسّست على خلفية إسرائيليّة محض. ثمّ: السبع، وكلّ فريق السعوديّة في لبنان، يريد أن يتمثّل الشيعة عبر نوّاب ينالون عشرات الأصوات؛ لأنّهم يرَون أنّ عشرات الآلاف الذين يقترعون لمصلحة الحزب و«أمل» هم مُضلَّلون أو هم عُرضة لترهيب السلاح، لأنّ صواريخ رعد وزلزال تدخل إلى المنازل وتأمر القاطنين بالاقتراع لمصلحة الحزب وإلّا.
ويلمِّح في حديثه عن اختفاء الصدر إلى دَور للجمهوريّة الإسلاميّة (ص. 180) وليس هناك من دليل على ذلك غير بروباغاندا جماعة الشاه واللّوبي الإسرائيلي في واشنطن. أمّا عن اغتيال الشيوعيّين في لبنان، فإنّه يتّهم عناصر الحركة والحزب (ص. 181)، من دون إعطاء أيّ دليل. ولا يذكر أنّه سبق الاغتيالات اشتباكات عنيفة بين «أمل» والشيوعيين، وبين «أمل» والمنظّمات الفلسطينيّة. ويعترف السبع هنا بصدقيّة رواية إميل لحوّد عن تآمر رفيق الحريري (بالتعاون مع حلفائه في النظام السوري) للقضاء على المقاومة في أوائل التسعينيّات (ص.
181). كما إنّه يتبيّن في السرديّة أنّ الأنظمة العربيّة عادت حزب الله قبل 7 أيار وقبل تحرير الـ2000، وقبل التدخّل في سوريا وقبل حرب تمّوز وقبل الثلث المعطّل وقبل الحرب في اليمن. بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 1993، رفضَت الأنظمة العربيّة مدّ لبنان بمساعدة (ص. 182). يقول إنّ الحريري بكى في ذلك اليوم لأنّ الأنظمة خلطت بين الحزب وبين لبنان. رأى الحريري أنّ العمليّة الإسرائيليّة كانت «موجّهة إليه شخصيّاً» (ص. 183). أي إنّ العدوّ رأى في الحريري خطراً يفوق خطر حركة مقاومة إسرائيل. لكنّ رواية السبع عن رغبة الحريري في إرسال الجيش إلى الجنوب غير صحيحة.
هو يقول إنّ «القيادة السوريّة» رفضَت إرسال الجيش. الحقيقة أنّ الحريري (الذي كان قد اشتراهم) حصل على موافقة عبد الحليم خدّام وغازي كنعان وحكمت الشهابي، ولكنّ حافظ الأسد تدخّل لتعطيل القرار. والأسد تدخّل لأنّ إميل لحّود لم يسمح بالتآمر على المقاومة لمصلحة إسرائيل (وأنا أعرف الرواية من إميل لحّود ذي المصداقيّة العالية). وعندما يصف السبع ميشال سماحة بأنّه «وديعة سورية» فكيف يصِف نفسَه في تلك الحقبة، وهو يعترف أنّ غازي كنعان كان يزوره في منزله وكان ينسّق معه حتى عندما كان يمارس العمل الصحافي في «السفير»؟
يتحدّث عن عدوان «عناقيد الغضب» وعن خطبة للحريري ألقاها بناء على نصّ شارك هو والسنيورة وياسين جابر وفارس بويز في صياغته، وفيها يرد: «إنّ اللّبنانيّين ملتزمون عمليّة السلام المبنيّة على المبادئ التي أرساها مؤتمر مدريد. وللبنانيّين مصلحة كبرى في التوصّل إلى سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط» (ص. 189). كان الجنوب لا يزال محتلّاً عندما ألقى الحريري تلك الخطبة. ويقول إنّ جنبلاط وبرّي والحريري فضّلوا التعاون مع إيلي حبيقة في بعبدا على حزب الله (ص. 192). الطريف أنّه يقول إنّ التكليف الشرعي لحزب الله لم يمنع هزيمة علي عمّار في 1996. غريب لأنّنا نسمع دائماً أنّ التكليف الشرعي يضمن (وَحده) نجاح مرشّحي حزب الله.
أمّا الفضل في تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، فيعود إلى رفيق الحريري وليس إلى المقاومة. يبدو أنّ إسرائيل قرّرت الانسحاب خوفاً من صداقات الحريري الدوليّة، تماماً كما كانت صداقات شارل الحلو الدوليّة تخيف إسرائيل. يقول السبع: «وضع الحريري حجر الأساس لتطبيق القرار 425 وانسحاب إسرائيل الذي تحقّق في العام 2000» (ص. 198). الطريف في الموضوع أنّهم يتحدّثون عن القرار كمُسبّب لانسحاب إسرائيل، كأنّ إسرائيل كانت مهجوسة بضرورة تطبيق القرار لأنّ الدولة الاحتلاليّة حريصة دوماً على احترام القرارات الدوليّة. لكنْ لماذا توقيت اختيار تطبيق القرار بعد هذه السنوات كلّها؟ هل لأنّ الحريري شكّل كتلة برلمانيّة وازنة ما أخاف إسرائيل؟ نحتاج إلى مزيد من التوضيح في هذا الموضوع.
(يتبع)
* كاتب عربي
«@asadabukhalil» حسابه على إكس
