رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [7]


لا يزال الحديثُ هنا يتناولُ كتابَ باسم السبع الجديد، «لبنان في ظِلال جهنّم: من اتّفاق الطائف إلى اغتيال الحريري»، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. والسبع يجولُ على وسائل إعلام خليجيّة للترويج لكتابه، لكنّ الإطلالات لم تكن موفّقة بالنسبة إليه، لأنّه يخلطُ في التواريخ والأسماء والوقائع. هو أصرّ، مثلاً، أنّ التيار الوطني الحرّ (الذي لم يكن قد وُلدَ بعد) كان حاضراً في مهرجان 7 آذار 2005 وأنّ ميشال عون ألقى خطبة فيه (ولم يكن قد عاد عون بعد إلى لبنان وكان في صفّ 14 آذار). لكن، ماذا تهمّ الوقائع أمام التأكيد أنّ السعودية لا تريد إلّا الخير للبنان وأنّ «الحضن العربي» هو حضن أثرياء الخليج حصراً؟
ونقرأ في الكتاب عن اجتماع عقَده الحريري للبحث في شأن الـ«أونروا». المذهل كم أنّ رفيق الحريري كان يتحدّث بكلّ صراحة (أو صفاقة) عن مشاعره ونظرته الطائفيّة المذهبيّة. يقول للأمين العام للأمم المتّحدة ولمدير الـ«أونروا» إنّ التوطين يضرُّ لبنان لأنّ «أكثريّة اللّاجئين هم من المسلمين السُّنّة، واستيعابهم يطرح مشكلة كبيرة على صعيد التوازنات الطائفيّة وترفضه الطوائف الأخرى» (ص. 199). أي إنّ رفْض التوطين لا ينطلق من موقف مساند للحقّ الفلسطيني بتحرير الأرض، بل بحسابات لبنانيّة طائفيّة ومذهبيّة صغيرة. ويتحدّث أمام كوفي أنان عن نظرته إلى الصراع العربي-الإسرائيلي فيقول له: «العلاقات المبنيّة على السلام هي الأفضل للجميع... نحن مستعدّون لتوقيع معاهدة سلام بعد ثلاثة أشهر، إذا تعهّدت إسرائيل بالانسحاب الكامل من لبنان ومن الجولان لغاية حدود 4 حزيران 1967. هذا قرار إستراتيجي ونحن اتّخذناه» (ص. 200).
هذا هو رفيق الحريري الذي جعل منه غسّان شربل رفيقَ سلاح لوديع حدّاد ومُشاركاً في التخطيط للعمليّات الخارجيّة: القضيّة الفلسطينيّة لا تعني له شيئاً في تقرير مستقبل العلاقات مع إسرائيل. تقرأ ذلك وتتيقّن أنّ الرجل كان يخدع حسن نصرالله في تلك اللّقاءات التي كان يعقدها معه بعد منتصف اللّيل. ويضيف في حديثه لأنان: «في حال التوصّل إلى سلام مبنيٍّ على هذا الأساس، من الممكن التعاون (أي مع إسرائيل) كجيران في مجالات الأمن وغيرها، ويمكنكم حمْل هذه الرسالة، أي استعدادنا للعيش بسلام في المستقبل».
ويستشهد السبع بوثائق بريطانية منشورة (لكنْ لا يذكُر مصدرها أو رقمها أو تاريخها) وتتحدّث عن تحرّكات الحريري الدوليّة في المدة التي كان فيها سليم الحصّ هو رئيس الحكومة. تذكُر الوثائق أنّ توني بلير استقبله بطلب من جاك شيراك (لا يذكُر السبع طبعاً أنّ شيراك، الذي استجابَ صدّام حسين لفساده مِن قَبل، كان أسيراً ماليّاً للحريري) وأنّ تحرّكات الحريري في تلك المدة كانت بغرَض «تعزيز موقعه داخليّاً وإبقاء نفسه في دائرة الضوء» (ص. 205). والوثائق تذكر أنّ الحريري يتشارك مع دمشق في النظرة إلى الانسحاب الإسرائيلي (أي إنّ الحريري كان موافقاً على تلازم المسارَيْن، حتى في السرّ).
يعترف السبع أنّ الأزمة في علاقة رفيق الحريري مع النظام السوري لم تكن خلافاً على السيادة أو الاقتصاد، بل على زبانية النظام: فضّلَ الحريري بعضاً منهم على البعض الآخر. اشترى خدام والشهابي وكنعان ولم يكن يريد أن يتعامل مع غيرهم. تماماً مثلما فضّل الياس الهراوي (الذي كان يتلقّى راتباً منه) على النزيه إميل لحّود. يقول السبع إنّ الحريري تفاهم مع خاتمي: ومع الحريري لا تعرف إذا كان هذا الانسجام مردّه إلى علاقة ماليّة (بيع وشراء) أقامها معه، كما أقامها مع مسؤولين في لبنان وسوريا (وفرنسا، كي لا ننسى شيراك المِطواع). وتدرك كم أنّ الحريري يتقن عمليّة المساومة والتجارة: ابتاعَ في إيران عدداً كبيراً من السجّاد، ولكنّه استطاع أن يُخفّضَ سعرها من 10 ملايين دولار إلى مليونَي دولار (ص. 207).
يقول السبع إنّ الحريري عمل على منافسة الحزب في العلاقة مع إيران. أراد بسْط نفوذ إقليمي: عبر شلّة الفساد الثلاثيّة في دمشق ومعظم الطبقة الحاكمة في لبنان وأياد علاوي في العراق. كما إنّه أقام علاقة وطيدة مع محمود عبّاس في سلطة الفساد في رام الله. أي إنّ الحريري أنشأ محور فساد إقليمياً لا يُستهان به. ولعلّ هذا كان من الأسباب التي عرّضته للأخطار التي أدّت إلى اغتياله. هل أنّ النظام السوري شعر بخطر انقلاب ما كان يعدّه الحريري هناك؟ هذه نظريّة سمعتُها مبكّراً من جوشوا لاندس الخبير المعروف في الشأن السوري. وكنتُ مع باتريك سيل عندما سمعتُها ووجدَ النظريّة مُقنعة (أُدركُ أنّ هناك من يعتقد أنّ إسرائيل هي التي اغتالت الحريري بسبب عمليّات خطف الطائرات التي نظّمها مع وديع حداد، حسب روايات غسان شربل).
أراد بسْط نفوذ إقليمي: عبر شلّة الفساد الثلاثيّة في دمشق ومعظم الطبقة الحاكمة في لبنان وأياد علاوي في العراق. كما إنّه أقام علاقة وطيدة مع محمود عبّاس في سلطة الفساد في رام الله. أي إنّ الحريري أنشأ محور فساد إقليمياً لا يُستهان به
يزعم السبع (كالعادة من دون إعطاء دليل) أنّ الثنائي الشيعي «صفّق» للاحتلال الأميركي للعراق ولصعود الفريق الشيعي الحاكم ولعمليّات انتقامه ضدّ حُكم صدّام (ص. 208). هذا غير صحيح: من المعروف أنّ حسن نصرالله اقترح على الشعب العراقي قَبل الغزو عمليّة طائف على غرار ما جرى في لبنان. وسمعتُ من نصرالله نفسه أنّ الأحزاب والشخصيّات الشيعيّة (أو الكثير منها) تضايقت كثيراً من الاقتراح وأنّ ذلك أساء إلى العلاقة لمدة بين الحزب وفصائل شيعية عراقيّة.
ويحكي السبع عن قصّة فتْح العلاقة بين الحريري ونصرالله وأنّها لم تكن تتعلّق (من ناحية الحريري) بالأمور الإستراتيجيّة ومسألة المقاومة. كلّ ما كان يريده أن يزعِج نبيه برّي الذي لم تكن علاقته به سويّة أبداً. يقول للسبع: «أنا قرّرتُ فكّ الحصار ورايح لعند نصرالله. الرجل أساساً بات الزعيم الأوّل للشيعة» (ص. 210). هذا يريك الحدّ الذي كان يصل الحريري إليه في محاولة التأثير على الوضع الداخلي في كلّ طائفة. وبلغ من عداء الحريري لبرّي أنّه اقترح على السبع أن يطرح على حزب الله مسألة ترشيحه إلى رئاسة المجلس نكاية ببرّي. وبالفعل، أكّد مصطفى ناصر (الوسيط بين الحريري ونصرالله) أنّ الحريري اقترح على الحزب مسألة ترشيح السبع لرئاسة المجلس. طبعاً، نصرالله أذكى من أن يقع في حبائل رفيق الحريري ومخطّطاته لعقاب برّي. كان يقول لنصرالله إنّه سيحمي المقاومة ولكنّه كان يعترف لمستشاريه أنْ لا أمل أو جدوى من هذه المفاوضات (ص. 210).
يتحدّث عن أنّ الفريق المتحالف مع النظام السوري (كأنّ الحريري لم يكن متحالفاً مع النظام السوري) تضايق واعترض على دَور الحريري في إعداد القرار 1559. ويسخَر السبع، كما يسخَر غيره في بلاط الحريري، من الفكرة. لكنّ جوني عبده (الوثيق الصلة بالحريري ومرشّحه لرئاسة الجمهوريّة: هالَ محمد حسنين هيكل أنّ الحريري فكَّرَ جديّاً بالإتيان بعبدو رئيساً للجمهوريّة لِما له من علاقات وثيقة بالإسرائيليّين قبل الاجتياح الإسرائيلي في 1982 وبعده) اعترفَ بدَور الحريري في إعداد القرار مع فرنسا والولايات المتحدة (وطبعاً، كانت إسرائيل مشاركة بقوّة لأنّ اللّوبي الإسرائيلي يسيطر على عمليّة صنْع قرارات الأمن القومي الأميركيّة وسياساته).
شارك السبع في مأتم باسل الأسد. ويسخَر من فكرة وراثة الابن للأب. تظنّ عندما تقرأ ذلك أنّ حُكام الخليج ينبثقون من سلالات منتخَبة ديموقراطيّاً. ويعترف أنّ الحريري بكى بكاءً مرّاً في تشييع باسل الأسد. وعندما سأله السبع عن شدّة تأثّره قال إنّه تذكّر ابنه حسام. دائماً عند الحريري تفسيران: واحد للعلن وآخر لبلاطه الخاص. وعندما مات حافظ الأسد، اتّصل الحريري بشيراك كي يحضر الجنازة. مَن قال إنّ المال لا يشتري رؤساء جمهوريّة منتخَبين في الغرب؟ وشيراك كان الرئيس الغربي الوحيد الذي حضر الجنازة. ويتّضح من علاقة الحريري الخاصّة (جدّاً) مع شيراك أنّ المال العربي تفوّق على عنصر الرابط الديني في العلاقة بين لبنانيّين وفرنسا.
يعترف بعلاقته الجيّدة مع المخابرات السورية إذ يقول: «زرتُ عنجر منفرِداً وبرفقة الحريري مرّات عدّة لا تتجاوز عدد أصابع اليدَيْن» (ص. 228)، ولكنّه لا يذكر عدد المرّات التي زار فيها عنجر في عهد رستم غزالة. هنا يترك السبع انطباعاً عند القارئ أنّ الذي زار عنجر عشر مرات هو غير الذي زارها اثنتي عشرة مرّة، وأنّ الأوّل حريص على السيادة فيما الثاني هو أداة بيد المخابرات السوريّة.
وككلّ السياسيّين الذين تحالفوا مع النظام السوري ثم انقلبوا عليه، يقول السبع إنّ سلوك المجرم غازي كنعان، الذي كان يُهين المسؤولين والزعماء في لبنان، معه كان أخلاقيّاً وإنّه لم يخرُج عن «حدود اللّياقة» (ص. 228). هؤلاء يعترفون أنّ مسؤولي المخابرات كانوا يُهينون الزعماء والمسؤولين لكنّهم دائماً يستثنون أنفسهم. مثل السبع وأحمد فتفت ومصباح الأحدب: يقولون إنّ النظام السوري كان هو الذي يأتي بالنواب والوزراء، ولكنّهم يستثنون أنفسهم ويزعمون أنّهم نجحوا ضدّ إرادة النظام السوري. السرديّتان لا تستقيمان معاً.
يتحدّث عن استبدال كنعان برستم غزالة مُعترِفاً أنّ إميل لحّود كان الوحيد الذي تجرّأ على غازي كنعان وهو الذي طلب من بشّار الأسد إخراجه من لبنان، وكان له ما أراد. طبعاً، هذا كان من مصادر إحباط الحريري؛ لأنّ كنعان بات يعمل (مثل مراسل السي.إن.إن، برنت ساندلر، الذي اشتراه الحريري) تحت إمرته.
ثم يروي السبع قصّة غريبة ومُزعجة: عن شخص زاره في منزله وعرض أن يتوسّط مع آصف شوكت كي يقرّب الحريري من نظام بشّار. عرض السبع الأمر على الحريري الذي اتّصل فوراً بغازي كنعان وأرسل السبع كي يقصّ عليه قصّة الزائر اللّبناني. وفي اليوم التالي، أرسل كنعان غزالة مع مسلّحين، وانهال غزالة على الشاب بعصا غليظة على رأسه وجسده وأمر مرافقيه بنقل «الكلب إلى السيارة» حيث اختفى.
ها قد تسبّب السبع ورفيق الحريري في قتْل شاب لبناني لم يرتكب من الجرم إلّا محاولة تقريب الحريري مِن آصف شوكت. إنّ تسليم لبنانيّين للمخابرات السوريّة هو جريمة من الجرائم الكثيرة التي ارتكبها مسؤولون لبنانيّون ومِن دون محاسبة، ومِن دون وَخْزِ الضمير. طمأن رستم غزالة السبع على مصير الرجل، قال للسبع: «لن تقوم له قيامة قبل عشر سنوات، إلى أن يتعفّن في السجن ويأكله الدُّود» (ص. 232).
(يتبع)
* كاتب عربي
«@asadabukhalil» حسابه على إكس
