على بالي

مرّت ذكرى اغتيال كمال جنبلاط مختلفةً عن سابقاتها. هذه المرّة تزامنت مع اعتقال إبراهيم حويجة الذي كان رمزاً للوحشيّة والاغتيالات والتفجيرات التي طبعَت مرحلة فرْض السيطرة السوريّة.
ما كان لهذه السيطرة أن تتشكّل لولا دعْم الجبهة اللبنانيّة ودعْوتها ورعاية النظام السعودي والغرب. ينسى البعض أنّ بيار الجميّل رفع شعار محاربة اليسار أكثر ممّا رفع شعار محاربة منظّمة التحرير.
شكّل اليسار يومها خطراً حقيقيّاً على مصالح اليمين اللّبناني، مع أنّه - لو عُدنا إلى سقْف برنامج الحركة الوطنيّة ومسارها- لم يشكّل أبداً خطراً على النظام اللّبناني. هو أرادَ إصلاحه من الداخل. بمقياس التصنيفات الأيديولوجيّة، الحركة الوطنيّة تبنّت برنامجاً ليبراليّاً لا أكثر. وكان هذا رأيَ المبعوث الأميركي إلى لبنان، دين براون في ١٩٧٦.
النظام السوري رأى أنّ جنبلاط سيُحيل لبنان (أكثر من ياسر عرفات) إلى بلد تقدّمي متفلّت. لم يكن لبنان، لو وقع تحت سيطرة الحركة الوطنيّة، ليكون بلداً جذريّاً بالنسبة إلى الصراع العربي-الإسرائيلي.
جنبلاط كان متحالفاً مع أنور السادات حتى أواخر أيّامه ودافع عنه يوم اتفاقيّة سيناء (الأولى والثانية). بدأ حافظ الأسد مبكّراً في استسهال استعمال الساحة اللّبنانية لاغتيال معارضيه من اللّبنانيّين والسوريّين. اغتيال محمد عمران في ١٩٧٢ كان مؤشِّراً على وسائل حافظ الأسد في السياسة. وهناك جُملة من الاغتيالات المجهولة التي طالت قادة وعناصر من حزب البعث الموالي للعراق. كمال جنبلاط كان الزعيم الوحيد الذي ترك غيابُه فراغاً كبيراً، ولم يسدّه إلّا حافظ الأسد، وبالقوّة المتوحّشة.
التحدّي اليوم أمام لبنان هو في القدرة على التعامل مع وضْع مماثل: التحالف الأميركي-الإسرائيلي يريد أن يفرض سلطته بالقوّة.
والاغتيالات على يد إسرائيل تستمرّ، وستستمرّ خصوصاً لو أنّ الحزب عاد إلى المقاومة العسكريّة للردّ على عدوان إسرائيل واحتلالها. أذكر اغتيال كمال جنبلاط كما الأمس: وجوده كان مُطمْئناً للرأي العام في المناطق الإسلاميّة. عندما كان يغيب في الهند، كنتُ وأنا صبي أشعر بتفرّد قوى اليمين. لكنّنا في اليسار الجذري عارضْنا كمال جنبلاط، لكنّ هذا اليسار لم يقدِّم بديلاً. بل استفاد من ماليّة عرفات.
