رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [8\8]


لا يزال الحديثُ هنا يتناولُ (للمرّة الأخيرة) كتابَ باسم السبع الجديد، «لبنان في ظِلال جهنّم: مِن اتِّفاق الطائف إلى اغتيال الحريري»، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. وهكذا اكتشفنا أنّ باسم السبع ورفيق الحريري تسبّبا، على الأرجح، في قتْل شابٍّ لبنانيّ قصَد السبع لتقديم خدماته للحريري (وسلّم الاثنان الرجل للمخابرات السوريّة). يتّضح من سرديّة السبع أنّه (مِثل الحريري) فضَّل غازي كنعان على رستم غزالة، والمفاضلة بين الرَّجلَين لا يمكن أن تكون أخلاقيّة، بل قائمة على تفضيل الخاضع على الأقلّ خضوعاً.
يعترف أنّ رفيق الحريري نظّم عمليّة تسليم مفتاح بيروت إلى كنعان ولكنّه اختار في الصياغة أن يجعل من عبد المنعم العريس المسؤول، مع أنّ الاحتفال كان في السراي الحكومي وبحضور رفيق الحريري نفسه. وفي الفقرة التي بعدها يعترف أنّ تسليم مفتاح بيروت كان قراراً من الحريري نفسه (ص. 233). الأرشيف لم يمحُ الصور من تلك المناسبة. ويقول السبع إنّ القرار خالف المزاج الشعبيّ المسيحيّ والسُّنّي والدرزي، أي إنّ الشيعة فقط كانوا الموالين للنظام السوري في لبنان. كلّ النواب الذين تمثّلوا، وبتأييد شعبيّ كبير وبرعاية من النظام السوري، خالفوا مزاج طائفتهم، بحسب نظريّة السبع.
نكتشف في السرديّة أنّ السبع كان يعرف منزل رستم غزالة، لكنّه زاره ــــ خلافاً للباقين الذين يصنّفهم بأنّهم ودائع النظام السوري ــــ بإباء وشَمَم. قال غزالة للحريري إنّ السبع «لا يهاجمنا» (ص. 237) مع أنّ الذي يقرأ كتاب السبع وتصريحاته بعد (وليس قَبل) خروج الجيش السوري من لبنان يخال أنّ السبع كان يقود حرب عصابات ضدّ النظام السوري في لبنان. يقول السبع إنّ رستم غزالة كان يتلقّى 50 ألف دولار من رفيق الحريري وحْده. لكن لماذا؟ أَلَم يكن ذلك ثمناً للبقاء في رئاسة الوزراء؟ لا يمكن أن تحاجج بأنّ المخابرات السورية ارتكبت الفظائع في لبنان (وهي بالفعل ارتكبت الفظائع) وفي الوقت نفسه تموّل هذه المخابرات. تمويلها من قِبل الحريري هو المشاركة بعَيْنها في جرائم النظام السوري.
ثم يروي قصة استدعاء الحريري من قِبل بشّار الأسد لمطالبته بالتمديد للحّود. لحّود كان مُزعجاً جدّاً للحريري: 1) لم يكن يقبل الرشاوى على غرار إلياس الهراوي المُطيع. 2) إميل لحّود (مثل والده جميل لحّود في زمانه) آمن بالعدالة الاجتماعية. ومفهوم العدالة الاجتماعيّة يتناقض بالكامل مع رأسماليّة الحريري. تضايق الحريري كثيراً من جلسة التأنيب بحضور بشّار الأسد. تصبّب العرق من جسمه «إلى كعب القدمَين» (بحسب وصْف الحريري، ص. 241). وبدلاً من أن يتمرّد ويستقيل من الحُكم وينال حرّيته وكرامته، اختار أن يطيع.
الأسلوب الإنشائي للسبع متكلّف. يقول مثلاً «غرست الفوضى أظفارها في جسد العراق» أو «النظام العربي يتلوّى فوق صفيح العراق» (ص. 245)، وهذا التكلّف أذكُره من خطبه في مجلس النوّاب، خصوصاً تلك التي قلّدَ فيها قِس بن ساعدة (معقول؟). يتحدّث عن انقسام لبناني حَول الدَّور السوري ويصبح المُموِّل الأكبر للمخابرات السوريّة في لبنان جزءاً من «حالة وطنية تعارض التلاعب بالدستور، وتتقاطع مع الدعوات الخارجيّة لوقْف التدخّل السوري». لم يحدّد السبع هويّة الدعوات الخارجيّة. هل هي إسرائيليّة، مثلاً؟ أم أميركيّة؟ هل كان هناك غيرها في ذلك الحين، خصوصاً أنّ الحريري جلب شيراك المطيع إلى بيروت في 1996 كي يعلن تأييده للسيطرة السوريّة على لبنان.
يقول إنّ شيراك وصف في مذكّراته بشار بالطاغية. هذه من الطرائف؛ لأنّ شيراك الذي تلقّى النفائس من صدّام حسين لم يعترض يوماً على طغيانه أو على طغيان حُكّام الخليج شديدي السخاء معه. يصف السّبع علاقة شيراك بالحريري بـ«الصداقة الشخصيّة» (ص. 247)، أي الصداقة التي يُسبغ فيها الصديقُ المالَ الانتخابي والنفائس على صديقه.
يذكر السبع عَرَضاً «القدرات المالية» للحريري من باب الإنجازات وليس من باب شراء المسؤولين والكُتّاب في لبنان وفي العالم. لم يكن السبع صريحاً أبداً في الحديث عن دور الحريري في عمليّة صنع القرار 1559، إذ تجاهل اعتراف جوني عبده بدَور الحريري. ثم هو يتحدّث بتفصيل عن تأثير الحريري على السياسات نحو الشرق الأوسط ولكنّه يتجاوز دورَه في القرار الشهير. يقول إنّه كانت هناك شائعات حول دَوره لكن «لا يحطّ بذمّته»، كما نقول بالمحكي. لا يعلم. يعترف أنّه سمع من الحريري أنّ هناك قراراً يُعدّ من شأنه أن «يقلب الطاولة على لحّود وأدواته في لبنان» (ص. 251).
لم يكن السبع صريحاً أبداً في الحديث عن دور الحريري في عمليّة صنع القرار 1559، إذ تجاهل اعتراف جوني عبده بدَور الحريري
وفي أحد الأيّام، يُدخِل الحريري السبعَ إلى جناحه الخاصّ في منزله ويفتح له «خزنة كبيرة بحجم باب غرفة» ويقول للسبع: «هل سبق لك أن رأيتَ هذه الكميّة من سبائك الذهب»؟ (ص. 258). يلاحظ القارئ أن الحريري كان يتلذّذ بإبهار السبع بحجم ثروته، وللأمانة، فإنّ السبع كان شديد الانبهار. يصف وزراء حكومة عمر كرامي بأنّهم «أسماء ممسوكة من غُرف المخابرات السوريّة». لكنْ أشكّ أن يكون عمر كرامي وإلياس سابا وجان لوي قرداحي وإلياس سكاف أقرب إلى غازي كنعان ورستم غزالة من... باسم السبع. غريب أنّه لم ينتبه أنّ القارئ سيلاحظ المفارقة في إصدار الأحكام على غيره. التحق السبع بفريق ما يسمّيه بمعارضة «النظام الأمني اللّبناني-السوري المشترك».
لكنّ كلمته في اللّقاء الموسّع في البريستول تضمّنت نقداً للحّود لأنّه مسؤول (في رأي السبع) عن «تخريب العلاقات اللّبنانيّة-السوريّة، وتلازم المسارَين» (ص. 261). أي إنّ فريق الحريري عارض ابتعاد لحّود عن الخضوع التامّ للمخابرات السوريّة، كما كانت الحال مع رفيق الحريري في سنوات حُكمه. وأسهم اليساري حبيب صادق في وضْع بيان المعارضة الجديدة وتلاوته، وفيه يرِد تنديد بـ«تمويل الحملات الانتخابية من المال العام والصناديق السوداء» (ص. 262).
ما القصد من ذلك؟ هل هناك مَن استخدم المال العام والخاص لتمويل الحملات الانتخابيّة أكثر من الحريريّة؟ لكنّ المؤامرة أبرزت وجهها في البيان هذا، إذ وردت عبارة «حقّ الدولة اللّبنانية وواجبها في تقرير مسألة الحرب والسِّلم». لكن لحّود كان رئيساً للجمهوريّة وهو بذلك رأسُ الدولة، لكنّ المعارضين كانوا يَنشُدون دولة تتنصّل من مسؤوليّة الدّفاع عن الجنوب في وجه إسرائيل، فيما كان الاحتلال ما يزال جاثماً على القسم الأكبر من الجنوب. وطالب المعارضون بتسليم سلاح المخيّمات. المفارقة أنّ اليساريّين في المعارضة كانوا قد برزوا على الساحة السياسيّة اللّبنانيّة بسبب سلاح المخيّمات هذا.
يذكر السبع أنّ الحريري كان يُسجِّل سرّاً لقاءاته الخاصّة مع مختلف المسؤولين، كأنّ ذلك طُرفة. كانت هناك فضيحة كبرى في تحقيقات ووترغيت عندما تسرّب خبر تسجيلات ريتشارد نيكسون لاجتماعاته في البيت الأبيض. يتحدّث عن شارل أيّوب وأنّه اتّخذ من جريدته «مصدر ارتزاق من السياسيّين المُتموّلين» (ص. 266). هل هناك مَن نشر ثقافة الارتزاق الإعلامي أكثر من رفيق الحريري نفسه؟ هل هناك مَن أفسد الصحافة والصحافيّين أكثر من الحريري في تاريخ الجمهوريّة؟ ألم يُنهِ تمويلُ الحريري ظاهرةَ اختلاف الآراء في الإعلام اللّبناني وحوّله إلى إعلام الرأي الواحد على طريقة السعودية وسوريا؟ وفي مواجهة حِلف المعارضة، تشكّل في عين التينة حِلفٌ لحلفاء سوريا، وينسى البعض أنّ حسين الحسيني كان من فريق عين التينة رغم التباعد بينه وبين برّي.
يتحدّث عن تيري رود لارسن ولا يذكر انحيازه المعروف لإسرائيل أو علاقته المشينة مع جيفري إبستين، التي أدّت إلى نبْذه في بلده. أمّا عن المساعدات العينيّة التي كانت حمْلة الحريري تقدّمها في مواسم الانتخابات، فيدافع السبع عنها لأنّها حقّ ديموقراطي. وبهذا، فإنّ شراء الأصوات بالمال والمساعدات العينيّة يصبح حقّاً ديموقراطيّاً للأثرياء فقط. هذا مفهوم الحريرية للممارسة الديموقراطيّة. وعندما اعترض البعض، وعن حق، على هذا الاستعمال لـ«القدرات الماليّة» للحريري، بحسب تعبير السبع، فإنّ أتباع رفيق الحريري اعترضوا وعَدّوا ذلك قمْعاً لهم. وينشر السبع محضر لقاء بين وليد المعلّم ورفيق الحريري وفيه يحاول الأخير جاهداً إثبات حُسن نيّته وولائه للنظام السوري.
ويبدو في النصّ أنّ المعلّم كان متعاطفاً مع الحريري. والموضوع الطائفي لا يغيب عن ذِهن الحريري ويزعم أنّ صلاحيّات رئيس الجمهوريّة تعزّزت عندما شغل سليم الحصّ منصب رئاسة الحكومة. وحمْلة الحريري الانتخابية في عام 2000 كانت شديدة الوضوح في اتّهام الحصّ بالتفريط بحقوق الطائفة. وأذكُر تلك المرحلة وأذكُر أنّني (ومَن أنا؟) حادثتُ الحصّ في الموضوع ورجَوته أن يردّ على الحملات المتجنّية ضدّه من قِبل الإعلام الحريري ولكنّه رفض وكان قاطعاً في قوله: «لن أنزل إلى هذا المستوى».
كَنَّ الحريري الكثير من الكراهية لسليم الحصّ وقال لوليد المعلّم عنه: «ما بيطيق خيالي ولا بطيق خياله» (ص. 281). لكن الحصّ لم يكن مهووساً بالحريري ولم ينطِق ضدّه بسوء ولم يخطّط لإذلاله كما فعل الحريري. وعن المعارضة، يقول الحريري بثقة للمعلّم: «أصلاً المعارضة ما بيطلع منّا شي إذا نحنا ما كنّا فيها» (ص. 286).
كما نشر السبع محضَر اللّقاء الأخير بين الحريري ورستم غزالة، وفيه يبدو غزالة موافِقاً للحريري ويتحدّث بلهجة تختلف عن اللّهجة التي نُسبت إليه بعد اغتيال الحريري. ولا ننسى أنّ غزالة كان مَديناً للرجل الذي كان يدفع له 50 ألف دولار شهرياً. يقول الحريري لغزالة: «إنّ لبنان لا يُحكم من دون رضى الشام» (ص. 291).
يتحدّث عن جمْع 14 آذار ويزعم ــــ خلافاً لكلّ ما نُشر وما شاهده الناس ــــ أنّ الشيعة لم يغيبوا عن ذلك اليوم، وأنّ «مجموعات كبيرة» منهم أتت من الجنوب والبقاع والضاحية. لا أدري إذا كان السبع يعني بالمجموعات الأفرادَ الشيعة الذين كانوا يعملون في إعلام رفيق الحريري. كل شيعة 14 آذار كانوا (وما يزالون) يتّسعون في حافلة مدرسيّة. يصِف الجَمع في 14 آذار بـ«يوم الحشر الوطني». حتماً، لم يكن يستعمل الكلمة بمعناها القرآني. يُخبرنا عن القرار الوطني في اختيار سعد الحريري خليفة لوالده.
يروي سعد للسبع عمليّة القرار، قال: «لقد استدعاني طويل العمر (الأمير عبدالله ولي العهد في المملكة العربيّة السعوديّة). طلب منّي الاستعداد لمهمّة متابعة مسيرة الوالد» (ص. 321). وهكذا أصبح للبنان زعيم جديد. يروي السبع عن تعيين ميقاتي رئيساً للحكومة وأنّ التعيين كان بناءً على شروط نفّذها (ص. 329)، فيما كانت 8 آذار تظنّ أنه في فريقها. يقول عن رياض سلامة إنّه كان رجل الاقتصاد الأوّل عند رفيق الحريري، إلى جانب السنيورة (ص. 335).
يُكمِل هذا الكتاب سلسلةً صدرت، وستصدر، عن مرحلة رفيق الحريري. لكن لم يصدر كتاب واحد عن الحريري، عن شخص لم يكن مرتبطاً ماليّاً به. علينا الانتظار.
(انتهى)
* كاتب عربي
«@asadabukhalil» حسابه على إكس
