تجذير الحمائية الأميركية: الرسوم الجمركية كبديل عن الضرائب

ورد كاسوحة
ورد كاسوحة
الخميس 3 نيسان 2025
الخط


الاعتراض على سياسات التقشّف التي تقودها السلطة السورية لا ينفي كونها تندرج في إطار سياسات أوسع نطاقاً على مستوى العالم.

المنحى الذي تقع فيه هذه السياسات، بهذا المعنى، ليس بعيداً من المنهج الذي تعبّر عنه إدارة ترامب في ولايتها الثانية، والذي يأخذ سياسات التقشّف التقليدية والتخفُّف من عبء دولة الرعاية الرأسمالية إلى مدىً أبعد بكثير مما اعتادته حكومات اليمين المتطرّف حين تصل إلى السلطة.

في الحالتين، ثمّة صرفٌ لأعدادٍ كبيرة من موظّفي الدولة، إذ تُدار المؤسّسات الحكومية التي فُصِل منها هؤلاء، وضُغطَت نفقاتها إلى الحدّ الأقصى، كما يُدار القطاع الخاصّ؛ أي بمنطق أكبر قدر من الأرباح بأقلّ مقدار من التكلفة.

على أنّ ذلك حين يحصل في دولة رأسمالية مركزية كالولايات المتحدة، سيكون مختلفاً، لجهة المنهجية والأدوات والنتائج، عنه في دولة تقع على أطراف النظام الرأسمالي ويشهد اقتصادها انهياراً مستمرّاً على ضوء الحرب والهجرة وشحّ الموارد وعدم الاستقرار وتقلّص الناتج المحلي الإجمالي إلى الحدود القصوى.

تصفية دولة الرعاية

في الحالة الأميركية التي جذّرها الرئيس الحالي دونالد ترامب، بالمقارنة مع حمائيّته السابقة، تقوم فلسفة التقشّف الجديدة على «مضاعفة موارد الدولة»، عبر تصفير العجز التجاري مع الدول التي يميل ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة لغير مصلحة واشنطن.

الأداة المستخدمة في ذلك لم تكن مُتاحة بهذا المقدار في الولاية الأولى لترامب، حيث لم يكن يُبتغى من الرسوم الجمركية حينها معادَلة الإيرادات المحصَّلة من الضرائب على الدخل كما هي الحال الآن.

الرغبة التي يعبّر عنها ترامب هذه المرّة، ليس فقط بتوسيع نطاق استخدام الرسوم الجمركية في الاقتصاد، لتشمل دولاً إضافية غير الصين والمكسيك وكندا ودول الاتحاد الأوروبي، بل أيضاً بالاستغناء عن أداة الضرائب على الدخل في تحصيل الإيرادات، هي بمنزلة استكمال للانقلاب الذي بدأه في ولايته السابقة على دولة الرعاية الرأسمالية.

هيكليّة الضريبة على الدخل، التي تأتي منها معظم الإيرادات الداخلية للنُظُم الرأسمالية ذات المنحى الكينزي، تقوم ليس فقط على المفاضلة بين نهجَين للتراكم، داخلي وخارجي، لمصلحة الأول، بل أيضاً على إعادة توزيع للثروة، إذ تذهب الإيرادات المحصَّلة ضريبياً من أصحاب الدخل الأعلى إلى نظرائهم من الشرائح ذات الدخل الأدنى.

هذه الآلية في التوزيع تجعل من أيّ تراكم، حتى الخارجي منه، خاضعاً لأولويات في الإنفاق، تضع كلّ الشرائح الاجتماعية على قدم المساواة في الاستفادة من الخدمات المقدَّمة من الحكومة الفيدرالية. وهذا ما يريد ترامب حالياً الانتهاء منه، لأنه يتبنّى منظوراً مناقضاً تماماً للإنفاق الكبير الذي يدعمه الديموقراطيون، لا سيّما على الخدمات العامّة كالصحّة والتعليم والبيئة و...إلخ.

نقل تمويل الخدمات من دافعي الضرائب إلى الخارج

في ولايته الأولى، اقتصَرَ الأمر على اعتماد آلية لخفض الضرائب على الأغنياء، بغية توفير مناخ مناسب لخلق الوظائف واستعادة الرساميل من الخارج، على أمَل تحقيق نسب نموّ أفضل من تلك التي حقَّقها الديموقراطيون في ولايتي باراك أوباما.

غير أنّ الولاية الثانية حملت معها منظوراً أكثر جذرية، حيث الخَفْض السابق في الضرائب لن يقود إلى تراكم، أو يستعيد الرساميل والصناعات من الخارج، ما لم يُستعَض عن آلية توزيع الثروة عبر الضرائب، بنظيرتها الخاصّة بالرسوم الجمركية، على الواردات من الدول التي تحقِّق فائضاً تجارياً في تعاملاتها مع الولايات المتحدة.

هذه ليست مجرّد «ثورة» في الآليات المُعتَمدة لتوزيع الدخل بعد تحقيق التراكم، بل هي بمنزلة تغيير كامل لوظائف الدولة، إذ لا تعود الخدمات تُقدَّم من الدولة لقاءَ ضرائب على الأفراد، بل يصبح تمويلها بالكامل من الرسوم الجمركية على الواردات من الدول الأجنبية.

شَطْب الضرائب بهذه الطريقة يعني أنّ مسؤولية الدولة عن تقديم الخدمات ستنحصر باستيفاء الرسوم الجمركيّة عن الواردات من الخارج، بعد مضاعفتها أو زيادتها بمعدّلات قياسية، لتعويض الفاقد من ضرائب الدخل، عَقِب إلغائها أو الانتهاء منها، كما يبتغي ترامب.

ثمّة بهذا المعنى صيغة تعاقدية بين المواطنين الأميركيين والحكومة الفيدرالية، تمّ الانتهاء منها، لمصلحة «علاقة مباشرة مع الدول» التي تُستوفى منها الرسوم الجمركية على الواردات. والحال أن التغيير هنا لا يقتصر على آلية عمل الاقتصاد فحسب، بل يتعدّاه إلى المواد القانونية المنصوص عليها في الدستور الأميركي، أو في أيّ دستور غربي آخر، حول الحقوق والواجبات، حيث الدولة لم تعد، بموجب الإلغاء المُزمَع لضريبة الدخل، مسؤولةً عن تقديم الخدمات، إلا بمقدار ما تحصل عليه من رسوم على الواردات الأجنبية.

وهذا يعني تحوُّل الدولة أو الحكومة الفيدرالية إلى مجرّد وسيط لنقل تمويل الخدمات من الخارج إلى الداخل، مع ما يترتّب على فعل الوساطة من تغيير أيضاً في نظرة دافعي الضرائب الأميركيين إلى دولتهم.

فهي، مع «ثورة ترامب» على الضرائب الداخلية، لم تعد حتى دولة جباية تتحدّد العلاقة معها بموجب المنفعة المتبادَلة من ثنائية جباية ضرائب \ تقديم خدمات، بل أصبحت العلاقة مرتبطة أكثر بدورها كوسيط لا تتعدّى مسؤوليته حدود إرغام الدول الأجنبية على تمويل عمل الحكومة، عبر دفع ما يترتّب عليها من رسوم جمركية على صادراتها إلى الولايات المتحدة.

خاتمة

الذهاب بهذا المعنى في ثورة ترامب المحافظة إلى نهايتها سيفضي ليس فقط إلى الانتهاء من الصيغة التعاقدية بين الحكومة الفيدرالية ودافعي الضرائب من مواطنيها، بل إلى شطب الآلية الرقابية التي تخوّل دافع الضرائب، بحكم تمويله لعمل الحكومة، محاسبَتها على أيّ تقصير في تقديم الخدمات أو إنفاذ القرارات الصادرة عنها.

وفي غياب هذه الرقابة تصبح سلطة الحكومة الفيدرالية، لا سيّما حين تكون يمينية متطرفة مثل حكومة ترامب الحالية، مُطلَقة، إذ ليس ثمة رادع لها، بعد انتقال تمويل عملها من الإيرادات الداخلية عبر الضرائب إلى نظيرتها الخارجية بواسطة الرسوم الجمركية على الواردات.

التمويل من الخارج يعني أيضاً أنّ التراكم الذي تقوده الرساميل الكبرى التي سُنَّ قانون تخفيض الضرائب في ولاية ترامب الأولى لمصلحتها، سيكون مع التحوّل الجديد الذي تقوده الرسوم الجمركية معفىً تماماً من الضرائب.

وهو ما يقود، بدوره، إلى الانتهاء من آلية توزيع الثروة، كون هذه الأخيرة تحصل بموجب تدخّل من الدولة التي تأخذ من الأغنياء لتعطي الفقراء ومحدودي الدخل عبر الجباية. وليس معروفاً حتى الآن إن كانت الآلية الجديدة لتحصيل الإيرادات عبر الرسوم الجمركية ستضمن حقوق الفئات المهمَّشة في الحصول على نصيبها من الثروة التي تجري جبايتها من الدول بهذه الطريقة.

* كاتب سوري