ريتا حايك وبديع أبو شقرا في لعبة المازوخية والمسرح والحياة
بعدَ عقدٍ على أوّلِ عروضها (2015)، يُقدّم جاك مارون رؤيةً مُعدّلة لـ «فينوس ذات الفراء»، مُعززة بأداءٍ مُتمكن من بديع أبو شقرا وريتا حايك


بعدَ عقدٍ على أوّلِ عروضها (2015)، يُقدّم جاك مارون رؤيةً مُعدّلة لـ «فينوس ذات الفراء»، مُعززة بأداءٍ مُتمكن من بديع أبو شقرا وريتا حايك، مُستوحياً مسرحيّته من نص ديفيد آيفز (2010) الذي اقتبسه بدوره من رواية لمازوخ (1870)، التي أعطت مصطلح «المازوخية».
بين الكوميديا والميلودراما
يُعدُّ هذا العرضُ مزيجاً يجمعُ بين الكوميديا والميلودراما، ويتميّزُ بإيقاعٍ سرديٍّ مُتقَن (تعريب: لينا خوري وغبريال يمين)، وتتجلّى فيه ديناميكيةُ القوةِ بين فاندا (ريتا حايك) وبديع أبو شقرا، الذي يؤدي دورَ الكاتب توماس (وقد عُدّل اسمه إلى بديع في الاقتباس). يُبرِزُ الطوقُ الذي ترتديه فاندا رمزاً بصرياً للعلاقة المتأرجحة بين السيطرة والخضوع. يتضمّنُ نصُّ آيفز حكايةَ كاتبٍ مسرحيّ يُدعى توماس، يتولى إخراجَ عملٍ لمازوخ، ويبحثُ عن ممثلةٍ لتجسيدِ دور فاندا. وبعدَ بحث مُضن عن ممثلةٍ تستحقُّ الدور، تَظهرُ له في إحدى الليالي الماطرة امرأةٌ تُدعى فاندا تمتلكُ ذكاءً فطرياً وتعقيداً لافتاً، لتفرضَ سيطرتها على الكاتب.
هكذا، يتبادلان الأدوار، ويصبح خاضعاً لها. يُضمِرُ هذا التّجاذب المغناطيسي ميولَ الكاتب المازوشيَّة ولذَّته بها، ويصلُ إلى ذروته باستحضاره شخصيةِ ديونيسوس المنتقم. وفي عالمٍ موازٍ للعمل، تتصاعدُ حواراتٌ مُعمَّقة حول مفاهيم الحب والمازوخية، والإيحاءات الحسّية الإيروسية، وتشابكات علاقاتِ الهيمنةِ والخضوع، والتساؤلات حول صورةِ المرأة التي تكمنُ خلفَ كلِّ هذه التعقيدات. يشهد العرضُ تحوّلاً محوريّاً في العلاقةِ بين الشخصيتين، وتداخل عوالم متعددة: فهو مسرحية داخل مسرحية.
بديع وريتا... خلطة متفجّرة
نجح أبو شقرا في تجسيد شخصيّة الكاتب المخرج بكل ما تحملُه من تناقضاتٍ داخلية، بدءاً من شعوره باليأسِ وصولاً إلى إنكارِه لرغباتِه الخفية، أما ريتا حايك فقدّمت في بداية العرضِ، الجانب الأوّل من شخصية «فاندا» المرأة السّوقيّة البلهاء، لتكشفَ لاحقاً عن طبيعتها الفينوسية.
وفي هذا المقام، بدا أنَّ المعالجةَ لشخصيّة فاندا البلهاء اتّسمت بسطحيَّةٍ واضحة، إذ تمَّ تنميطُها ضمن الصورة المُبتذلة للفتاة السوقيّة المألوفة في عدد من الاسكتشات التلفزيونية الخفيفة أو مسرح الفودفيل. وقد تجلّى هذا الاستسهال في جوانبَ عدة، بدءاً من المشية ولغة الجسدِ، مروراً بمضغ العلكة ونفخ البالونات بشكل لافت، وصولاً إلى اللكنة القروية واستخدام عبارات ذات إيحاءات جنسيّة مباشرة. هذه العناصر مجتمعة لم تُقدّم مقاربةً جديدةً للشّخصية، بل حصرَتها في قالبٍ كاريكاتوري سطحيّ.
تجربة تستحقُّ المشاهدة لما تطرحُه من تساؤلاتٍ شائكةٍ حول الحبّ والسيطرة والخضوع
وقد انعكسَ هذا التباينُ في دراسةِ الشخصيّةِ وتصويرِها على أداءِ ريتا حايك، فأوقَعها في دائرة الأداء النمطي المُكرّر، في حين أظهرتِ الشخصيةُ الثانية لِفاندا، عمقاً نفسياً وفرادة على صعيد المسرح العربي. وفي هذا السّياق، يبرزُ خطٌّ فاصلٌ دقيقٌ بين التعرّي المُبتذَل، والتعرّي ذي الهدفِ الفنيِّ الذي يغوصُ في مقارباتٍ سيكولوجية. وتتأكَّدُ هنا مسؤوليةٌ مضاعفةٌ على عاتقِ المُقتبِس والمُعرِّب، وتستلزمُ وعياً عميقاً بالثّقافتين: المصدَر والمُستقبِل، وهو ما ينعكس بدوره على إدارة أداء الممثل وتوجيهه. على أيِّ حال، أظهرتْ ريتا حايك براعةً في التنقّلِ الرشيقِ بين الشخصيّتين، وتجلّت قدراتُها الفنيّة في التماهي مع أبعادِ الشخصيةِ الثانية، ما أكسَبها حضوراً آسراً.
وبالمثل، أظهرَ بديع أبو شقرا اقتداراً في تجسيدِ شخصيّةِ الكاتب المُعقدة، حيث بدت ثنائيتُه كامنة تعتمدُ على ازدواجيةٍ في الخطاب وإنكارِ الرغباتِ الجنسية والميول الخفية. ويكمُن التحدي في هذا الدور تحديداً، ما دفعَ عدداً من الممثلين الذين سبقَ لهم تأديته، كما صرّحوا في مقابلاتٍ تلفزيونية، إلى الإفصاحِ عن مدى صعوبتِه وما أحدَثه لديهم من شعورٍ بالإرهاق النفسي. فشخصية بديع (الكاتب) تكمن في إقناع فاندا بضعفِ قدراتِه التمثيلية، ولكنْ، عندَ الخوض في تفاصيل المسرحية، تنكشفُ حقيقتُه تدريجاً مع تصاعد الأحداث، فضلاً عن رسائل فاندا المُبطّنة والمُستفزّة.
عن الضحية والجلّاد
في مسرحية «فينوس»، يمّحي البَرزخُ، أَي الخطُّ الفاصلُ بين الواقع الدرامي وحياة الكاتب والمخرج: بينما يحاول التنصُّل، تستنبطُ شخصية «فاندا» أفكاره الدفينة. تدفعُه إلى الاعترافِ التدريجي، بأنَّ اختيارَ نصٍّ لمازوخ نفسه، يعود لعام 1870 ويتناول شاباً يجدُ لذة في الألم، وهو ما أفضى إلى مصطلح «المازوخية»، يبدو مقصوداً. رغبتُه الظاهرة في إذلالِ المرأة تعكس في العمق اشتياقَه لإهانةِ الصورة النمطيةِ التي يحملُها عن المرأة، ويسعى إلى إحيائها عبر تقمّصهِ لدور الضحية.
-
(تصوير كريم غريّب)
في المقابل، لا تنتقل المرأة إلى موقع السلطةِ بشكل طبيعيّ، بل تُدفعُ إليه، كأنَّ فعلَها الظاهرَ في المسرحيةِ ليس سوى ردّ فعلٍ مُتأخّر على تاريخٍ من الإهانات، وسعي إلى استعادةِ الكرامة عبر معاقبةِ الرجل. لكنّ هذا العقابَ يحملُ في طيّاتِه مُعاقبةً للذات أيضاً، كَتلبيسِه ملابس نسائية ووضعِ طوقِ كلبٍ حول عُنقه، في إشارةٍ إلى إهانةِ أنوثتها عبر هذا الفعل.
وببراعةٍ سردية، ينسج آيفز مشهداً واحداً تتداخل فيه حوارات شخصيّتي كوشيمسكي وفاندا (من قصة مازوخ) مع حوارات الكاتب المسرحي وفاندا المُمثلة، التي تُضفي بذكائِها الشعبي طابعاً خاصاً على تفاصيل الدور وحياة كلّ من مازوخ وتوماس (أي بديع) في مسرحية جاك مارون، ما يُعقد عمليةَ الفصلِ بين الواقعِ والعالم الدراميّ.
سينوغرافيا حفلات الزفاف
أما من حيث السينوغرافيا، فقد انزلقَ تصميمُ (حسن صادق) للديكورِ نحو جماليةٍ ركيكة، وزخرفاتٍ تزيينية بحتة، مُظهِراً مشهديةً أقربَ إلى زخارفِ حفلاتِ الزفاف، ما أضفى على الفضاءِ المسرحيّ طابعاً سطحياً وشعبيّاً مع إيحاءٍ بالاستسهال في المعالجةِ الفنية. فالزخارف المُصطنعة لم تنجح في تجسيدِ طبيعة الجدران المُتصدعة، بينما بدَا العمود المزخرف، المُتمَركزُ في قاعدتِه، والمتشظّي في زاويتِه، كأنه يُحدث انزياحاً بصرياً يجعلُ المسرحَ يميل نحو اليمين.
كما إن منطقَ الدخولِ إلى ما يُفترضُ أنّه مكانُ إجراءِ تجارب الأداء بدا غير مقنع؛ فالبابُ المُتصدّر واجهة المسرح يوحي بفخامةِ قصرٍ أو مدخلِ قاعةِ أفراح، وتضفي عليه الإضاءة الخلفيّة المبالغ فيها طابعاً مجّانيّاً فارغاً من أي عمقٍ دلالي أو إيحائيّ. إضافةِ إلى ذلك، يطرحُ النّص أنّ الكاستينغ يتمُّ في بيت قديم أو مهجور، وهو ما يتناقضُ مع الثريّات الفاخرة، ما يخلقُ شعوراً بالتنافر وعدم الانسجام في الفضاء البصري العام.
في الختام، يُمكنُ القول: إنَّ عودةَ مسرحيّةِ «فينوس» إلى «المونو» تُمثلُ تجربةً تستحقُّ المشاهدةَ لما تطرحُه من تساؤلاتٍ شائكةٍ حول الحبّ والسيطرة والخضوع، وحقيقة الصورةِ النمطية للمرأة. وبينَ براعة الأداءِ التمثيليّ، وتحدّيات التصور البصريّ، يظلُّ العملُ دعوةً إلى التأمُّلِ في تلكَ المناطقِ الرماديّة التي تتداخلُ فيها رغباتُنا الظاهرة بدوافعِنا الخفيّة، تاركاً للجمهورِ مهمة فكِّ شفرة هذا التجاذبِ المُغناطيسيّ الذي يجمعُ بين شخصيّتي الكاتب وفاندا.
إنَّ الرؤيةَ الإبداعيةَ التي قدّمها المُخرجُ جاك مارون لهذا العمل، حتى مع بعضِ التّحفُّظات على الجانبِ البصريّ، تُبرزُ قدرتَه اللافتة على قيادةِ هذا النصّ المُتشعِّب ببراعةٍ، وتقديمِه في قالبٍ مسرحيٍّ عصريّ مُحكم، ما يجعلُ هذه العودة إضافةً مهمّة وجريئة للمشهدِ المسرحيِّ الحالي في بيروت.
«فينوس»: مسرح «المونو» (الأشرفية ـ بيروت). للاستعلام: 01/759317
