ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

جدل الحداثة السياسية والهويات الجزئيّة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
ورد كاسوحة
ورد كاسوحة
الثلاثاء 29 نيسان 2025
الخط


ثمّة صعوبة في فهم الصعود السريع للهويات الجزئية في سوريا عقب سقوط النظام السابق. الأمر لا يتعلّق كما يسوّق البعض بـ«هويّات مقموعة»، لم يُسمَح لها بالبروز أو التعبير عن نفسها، أسوةً بنظيرتها الموالية حين كان «البعث»، ومعه نظام الأسَدَيْن، هو من يضع الهوامش للحضور السياسي، أو حتى الاجتماعي والثقافي. في الأساس، كان «البعث»، في مرحلة صعوده الأولى وقبل تقهقرهِ لاحقاً بموجب سياسة التوريث الأسَدية، بمثابة تعبير عن الحداثة السياسية المضادة للهويّات الجزئية.

فالتحديث في السياسة، ولا سيّما الاستقلالية منها، كان في تلك المرحلة معادِلاً للقدرة على دمج المطالَبات المختلفة ضمن البلاد، بغية عدم تحوّلها إلى عامل مساعِد على التفريط بالوحدة الجغرافية لسوريا، في وقتٍ كانت فيه هذه السياسة بمنزلة مسعى انتدابي غير مُعلَن. هكذا، لم يكن الاستقطاب، على أساس هويّاتي أو طائفي، مجرّد سياسة انتدابية استُعملت لفترة ثمّ جرى الانتهاء منها عقب الاستقلال، بل حصل تكريسها كمنهج قائم بذاته، حتى بعد انتهاء الاحتلال الفرنسي، لإبقاء البلاد تحت سطوة التقليد السياسي، المتعارِض مع التنمية المستقلّة والتحرُّر الوطني.

صعود الحداثة السياسية

قبل ذلك، وفي بداية مرحلة الانتداب، مرّت سوريا بمرحلة جنينية من الحداثة السياسية، مثّلها حزب الشعب الذي كان يقوده السياسي الليبرالي العائد حديثاً من بيروت حيث أتمّ دراسته للطبّ في الجامعة الأميركية: عبد الرحمن الشهبندر. الرجل كان بمثابة امتداد سوري لتجارب قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وسعد زغلول في مصر، حيث الدعوة لتحديث المجتمع لا تتعارض مع الاحتفاظ بالبنى التقليدية التي حفظت تماسكه لقرونٍ طويلة. الصراع السياسي الذي نشأَ حينها، بين حزب الشعب بقيادة الشهبندر والكتلة الوطنية، صنَعَ الهويّة السياسية لسوريا في ظلّ الانتداب، وأسّس، مع الدور الطليعي الذي لعبه الرجل في الثورة السورية الكبرى، لمرحلة صعود الأحزاب الجديدة التي تدعو للاشتراكية والقومية والتحرّر الوطني، مثل «البعث» و«القومي السوري» و«الشيوعي».

والحال أنّ الصعود ذاك قد حصل بطريقة تتجاوز الحداثة التقليدية التي نادت بها أحزاب مثل «الشعب» و«الكتلة الوطنية» في إطار دولة الانتداب. هذا جَعَل التحديث السياسي في سوريا، إبّان الاستقلال وصعود الاشتراكية عالمياً وعربياً، ينتظم في إطار سَمَح له ليس فقط بالتطوّر والمراكمة على ما سبق، بل أيضاً بجعل التقليد الاجتماعي والسياسي نفسِه جزءاً من ديناميّته، بحيث لا يحدث نكوص للهويات الجزئية التي يمثّلها هذا الأخير إلى حالة تناحرية دموية، بمجرّد تعرُّض الخط البياني الصاعد للحداثة السياسية لانتكاسة معيّنة.

حتى حين طَغَى المنحى العسكري لصعود «البعث» على نظيرِه السياسي، على أثر الصراع بين الحرَسين القديم والجديد داخله، ظلّ الإطار العام للحداثة السياسية قادراً على التأقلم مع أيّ تحوّلٍ يطرأ، على البنية السياسية والاجتماعية للبلاد. بمعنى؛ احتفاظ الأحزاب، حتى التقليدية والقديمة منها، بقدرتها على تأطير الصراع السياسي، وبالتالي إبقاء المجتمع بمنأىً عن الانتكاسة الكبرى التي يمثّلها صراع الجماعات أو الهويات الجزئية، ولا سيّما حين يأخذ منحىً استقطابياً شديداً، أو يقود إلى مجازر وفوضى دموية. لم يتراجع هذا الخطّ البياني الصاعد للحداثة السياسية إلا في أواخر السبعينيات من القرن العشرين حين بدأ الصراع العسكري بين نظام حافظ الأسد و«الإخوان المسلمين» بالاشتداد.

قبلها، وفي ذروة صراعات أجنحة «البعث» خلال حقبة 1966- 1970، كان احتواء أيّ انعكاس للصراعين السياسي والعسكري على بنية المجتمع «ممكناً بسهولة»، كون هذه الصراعات جميعها لم تكن تحصل على خلفية هوياتية أو حتى طائفية، بقدر ما كانت تعبيراً عن الصراع الطبقي الصاعد بقوّة حينها، والمدفوع بإجراءات التأميم والإصلاح الزراعي، وإلغاء الملكيات العقارية الكبرى.

العودة عن مسار التراكم السياسي

الجدوى من الصراع كانت هي التي تمنع الهويات الجزئية من معاودة الظهور واحتلال متن المشهد، كما كانت عليه الحال في السنوات الأولى للانتداب الفرنسي. في ذلك الوقت، وبغرض طَمْس معالم المسألة الوطنية التي بدأت تبرُز، بُعَيد اندلاع الثورة السورية الكبرى بقليل، شجّع الفرنسيون على تبلوُر طروحات الدويلات الطائفية، واستخدموا فكرة التقسيم لتسهيل السيطرة، ليس فقط على معاقل التمرّد ضدّهم، في الغرب والجنوب والشمال، بل كذلك على موارد البلاد، وبنيتها التحتيّة، من شبكات طرق وسكك حديد وموانئ ومعابر حدودية و...الخ.

العودة إلى ما يشبه هذا المشهد الآن، بعد مئة عامٍ على تلك الأحداث، وفي غياب سلطة انتدابية معنيّة مباشرةً بالتقسيم والسيطرة على الموارد، تبدو بمثابة نكوص، ليس فقط عن المُنجَز الخاص بتبلور الهويّة الوطنية، بعيداً عن الاستقطاب الهويّاتي، بل أيضاً عن المسار العامّ لتطوّر السياسة والصراع السياسي في هذا البلد. والحال أنّ الانتقال من الصراع ضدّ الانتداب، ومعه الإقطاع السياسي، إلى بناء الدولة الوطنية، لم يكن ممكناً بوجود الهويات الجزئية التي استُخدمت كأدوات سياسية للانتداب.

تحييدها بهذه الطريقة، من جانب القوى الوطنية المناهضة للانتداب، هو ما سَمَح، ليس فقط باكتمال الاستقلال، بل أيضاً بصعود الأحزاب السياسية الجديدة التي تجاوزَت نظيرتها القديمة في مقاربة المسألة الوطنية، ثمّ القومية. ليصِل الأمر في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، مع الوحدة مع مصر، إلى بلورة تصوّر شامل حول المسألة الطبقية التي لم تعرف الأحزاب القديمة كيف تتعامل معها بسبب تقادُمها وافتقارِها لمنظور واضح عن مستقبل السياسة في الإقليم والعالم.

الحداثة السياسية التي تمّ الوصول إليها لم تجبّ ما قبلها فحسب، على طريقة الاستيعاب والتجاوُز، بل سمحت حتى للأدوات القديمة، المتمثلة بالهويات الجزئية، بالانتظام في إطارٍ جديد. أي كتعبيرٍ عن المدى الذي وصلت إليه البلاد في التخلّص من إرث الانتداب ومنهجه الخاصّ بالتعامل مع السوريين، وحتى العرب، كمكوّنات وجماعات طائفية أو عرقية «يوحّدها التنازع الماضوي حول الهوية»، بدل الصراع، الأكثر مستقبليةً وجدوى، على المصالح والمكتسبات.

خاتمة

العودة عن هذا التراكم المديد تبدو، في ظلّ الوضع الحالي الذي يشهد احتداماً كبيراً في التنازع بين الهويات الجزئية، أسوأَ مما كانت عليه قبل مئة عام، حين أُعيد إنتاج الهويات تلك للمرّة الأولى، ضمن سياق صراعي عامّ، في مواجهة حكمي الانتداب والإقطاع السياسي. ثمّة أداوتٌ جديدة يجري استعمالها حالياً، على ضوء التحلّل المتسارع للاجتماع الوطني، وهي لا تشبه الأدوات القديمة، لجهة الفاعلية والقدرة على التأثير، في مسار الأحداث. غير أنها تبدو أكثر خطورة من سابقتها، كونها تتقاطع مع بعضها وتتخادم في ما بينها، منتجةً سردياتٍ غير تاريخية ولا أساس لها، وذلك في غياب أيّ ملمح حداثي أو عقلاني، بالمعنى السياسي، يصلح لضبط الصراع مجدداً.

الحداثة السياسية السابقة، بالمقارنة معها، كانت أكثر تقدّماً بما لا يُقاس، فاستخدمت النضال ضدّ الانتداب والإقطاع وصولاً حتى إلى الصراع الطبقي والمواجهة مع إسرائيل، كأدواتٍ لإعادة إنتاج الهوية الوطنية السورية، في مواجهة مشاريع تذويبها ضمن سياق هوياتي. وهو ما يبدو الآن، حتى كإمكانية أو خيار، متعذّراً بشدّة، ليس فحسب بسبب استحالة تكرار اللحظة التاريخية السابقة، بل كذلك لكثرة استخدام الاستقطاب الهوياتي ورموزه وسياقاته من جانب الفاعلين المحلّيين والإقليميين والدوليين، ليصبح، بعد استبطانه داخلياً، بمثابة بديل عن الهويّة الوطنية.

فهذه الأخيرة تظهر، في السياق الراهن، كمن «فقدت مبرّرات وجودها»، مع تصدُّع الجغرافيا السياسية للبلاد، وحلول إسرائيل مكان الانتداب الفرنسي سابقاً كلاعب جيوسياسي مركزي، نيابةً عن الغرب بأكمله، وليس الولايات المتحدة فحسب. هذا فضلاً عن تقادُم الأدوات التي استخدمتها الحداثة السياسية السابقة في مسعاها لبلورة الهويتين الوطنية والقومية، في سياق تاريخي يصعب الآن تكراره، أو حتى استعادته، رمزياً.
* كاتب سوري

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك