أشكال مواجهة العقوبات

ذهاب الأمور، في ضوء التقاطعات الأميركية مع دول الإقليم الممسكة بالملفّ السوري، باتجاه تثبيت منهج رفع العقوبات عن سوريا، لا يبدو خياراً يمكن تفاديه بسهولة. لكن التعامل معه أيضاً، بوصفه محصّلة منطقية لمسار الأحداث منذ الثامن من ديسمبر الماضي، لا يقع بالضرورة خارج إطار الممكنات التي يجب تطويرها سياسياً.
بمعنى أن يصبح المتن الذي تتحرّك من ضمنه الأحداث، لمصلحة النُظُم وحدها، مسبوقاً بهامش، ليس فقط للفاعلية والنقد، بل أيضاً لإنضاج جملة من التقاطعات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي تقع المعارَضة المدنية الديموقراطية لهذا المسار في صُلبها. هذا التوجّه، يقف بوضوح إلى جانب رفع العقوبات، حتى حين يتحوّل إيقافها بالكامل بعد الانتهاء من مرحلة التعليق المؤقّت والمشروط، إلى مسار جيوسياسي، من ضمن خريطة توزيع النفوذ الجديدة في الإقليم.
ما يهمّ الآن، هو الانتهاء من هذه المسألة، حتى يصبح ممكناً التعامل مع التعقيدات التي تنشأ عنها لاحقاً. وأيضاً لأنّ ذلك يصبّ، على المدى البعيد، في مصلحة أكثرية سورية عابرة للمناطق والجماعات، ومتموضعة بحكم الجغرافيا الواسعة التي يتوزّع عليها السوريون، بين الداخل والخارج. صحيح أنّ الطريقة التي تمّ بها الأمر، ستضفي مزيداً من الشرعية على السلطة، ولكنها لا تعني بالضرورة مضيّها قُدُماً في سياسة الحسم العسكري التي صدّعت الجغرافيا الاجتماعية للبلاد، وتسبّبت في فوضى دموية ومجازر هنا وهناك.
المناهَضَة الواضحة لهذه السياسات القمعية يجب، بهذا المعنى، ألا تتعارض، مع تأييد رفع العقوبات، لأنّ سياسة الضغط باتجاه معاقبة النُظُم التي ترتكب انتهاكات جسيمة، سبَقَ أن مورست على نطاقٍ واسع من قبل، وفي سوريا قبل سواها، ولم تفضِ إلا إلى زيادة معاناة الشعب، سواءً في الموالاة السابقة أو في المعارضة السابقة. هذا بالإضافة إلى التسريع في وتيرة الانهيار الاقتصادي الذي انتقل إلى البلاد، في عام 2019، انطلاقاً من الأزمة الاقتصادية المصرفية في لبنان.
مسار فرض العقوبات على النظام السابق
ثمّة مسؤولية عن وصول الوضع إلى هذا الحدّ، تتحمّلها، بالإضافة إلى نظام الأسد، المعارضة السابقة، التي ضغطت باتجاه فرض قانون قيصر، ومن دون الانتباه إلى حجم الاستخدام السياسي لمسعاها، من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. فحملة الضغط تلك، استُخدمت من جانب دونالد ترامب في ولايته الأولى، في سياق محدّد للصراع مع إيران، على خلفية الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، الموقّع في عام 2015.
تجاهُل هذا السياق الجيوسياسي للصراع، والمحاجَجة بدلاً من ذلك بأنّ هذا الجهد لمضاعَفة العقوبات عبر قانون قيصر هو الذي أسقَطَ النظام في النهاية، تبدو ضعيفة، في ظلّ معطيات لا تقتصر على الجانب الجيوسياسي وحده. فما أظهرته المقارنة بين أداء النظام السابق، اقتصادياً، في سنواته الأخيرة، ونظيرِه الحالي، الذي لم يمضِ على وجوده في السلطة أكثر من ستة أشهر، هو أنّ ثمة قدرةً على التكيّف مع العقوبات والحصار الاقتصادي لدى الأوّل، تفوق نظيرتها لدى النظام الحالي، مع أنّ وصوله إلى الأسواق الدولية وحجم تبادلاته التجارية مع العالم، كانا محدودين جدّاً.
وهذا يعود في جزءٍ كبير منه إلى طبيعة الهياكل الاشتراكية السابقة التي كانت تحدّ من قدرة العقوبات، على شلّ الاقتصاد السوري بالكامل، عبر منع التدفّقات النقدية عنه، لا سيّما لجهة القدرة على إجراء تحويلات بنكية أو مالية مع الخارج.
هذا النمط من الإنتاج الذي لا ينطوي على قيمة مُضافة كبيرة، نظراً إلى صغر حجم رأسماله والافتقار إلى قنوات تمويل فعلية، كان له في ظروف الحرب والحصار الاقتصادي مزايا محدّدة، لا يمكن إغفالها
الالتفاف على هذه القيود عبر إجراء التحويلات من المهاجرين، مباشرةً إلى السوق السوداء أو إلى شركات التحويلات المعدودة التي سُمحَ لها بالعمل، أسهمَ في استمرار تغذية الناتج المحلّي، ولكن عبر أنماط إنتاج محدودة ومقيَّدة، هي الأخرى. أي إنها لا تقوم على التصدير السلعي أو حتى الخدماتي إلى أسواق الإقليم والعالم، بقدر ما تَحْفظ استمرارية الهياكل الاقتصادية القائمة، وقدرتها على تمويل الخدمات الأساسية المقدَّمة للناس، ومعها كتلة الرواتب والأجور.
هذا النمط من الإنتاج الذي لا ينطوي على قيمة مُضافة كبيرة، نظراً إلى صغر حجم رأسماله والافتقار إلى قنوات تمويل فعلية، كان له في ظروف الحرب والحصار الاقتصادي مزايا محدّدة، لا يمكن إغفالها، حيث ساعَدَ على الدفع قُدُماً بمنهج التيسير الكمّي الذي ميّز عمل بقايا السياسة النقدية السابقة، إذ يبقى الدعم على المواد الأساسية قائماً، ومعه الإنفاق الجزئي من كتلة الأجور التي لم تُمَسّ، على السلع والخدمات والإيجارات.
لم يبقِ ذلك على مسار النموّ المحدود فحسب، بل أيضاً جعَلَ التضخّم المدفوع بالتحويلات من المهاجرين وفروقات أسعار الصرف، يستمرّ بوتيرة ثابتة، مغذّياً بذلك الفقاعة، التي حافَظَت على بقايا هياكل الاقتصاد قائمة، ولكن من دون أن تمثّل، طوال مدة حكم الأسد الابن، حلاً مستداماً لأيٍّ من معضلات البلاد الاقتصادية الفعليّة.
تعزيز «النموّ» المدفوع بسياسات التقشّف
انتهاء هذه المنظومة بسقوط النظام السابق، أفضى إلى تحوّلات كبيرة في بنية الاقتصاد، بما في ذلك الهياكل الحمائية المتداعية، بمجرّد تبنّي السلطة الحالية، لمنهجية الاقتصاد الحرّ أو غير المقيّد. تأثيرُ ذلك على نمط مواجهة العقوبات في المدة القليلة التي سبقَت رفعها كان كبيراً، إذ لم يكن ثمّة أدوات لدى النظام الجديد، تصلح لمقاربتها بطريقة تحدّ من تأثيرها على الاقتصاد، كما كان يفعل النظام السابق. لا بل ذهبت السلطة الجديدة باتجاه استخدام أدوات فاقَمَت من وقوع البلاد تحت وطأة العقوبات، نتيجة جهلها بسُبل هذه المواجهة، كونها أتَت ببرنامج اقتصادي يتطلّب وصولاً غير محدود إلى الأسواق الدولية، وتعليقاً كاملاً للقيود على حركة الرساميل.
يُضاف إلى ذلك، الاعتماد المطلق من ضمن الأدوات نفسِها على مقاربة نقدية لا تأخذ في الحسبان المراحل التي قطعها الاقتصاد السوري أثناء تعرّضه لنظام العقوبات على مدى أربعين عاماً أو أكثر. فأزمة السيولة مثلاً، والتي لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، والحاصلة بموجب اعتماد سياسة التشديد النقدي، ليست غير مسبوقةٍ فحسب، بل هي تعتبر أيضاً، من أكثر العوامل إضعافاً لقدرة أيّ نظام على مجابهة آثار العقوبات، حتى في إطار العدّ العكسي لها.
الأمر لا يقتصر على الرغبة في الحفاظ على الحدّ الأدنى المُتاح من السيولة بالقطع الأجنبي، والمعروف اقتصادياً بالاحتياطي النقدي، بل يتعدّاه إلى منظورٍ للاقتصاد، يقيس النجاعة والفاعلية كمحدّدات للنموّ، بمدى القدرة على الحدّ من الطلب، وبالتالي إبقاء التضخّم وسعر الصرف عند عتبة لا تسمح بتحقيق نسب نموّ مرتفعة.
حتى حين تُرفع العقوبات قريباً بالكامل، ستبقى التدفّقات الرأسمالية التي ستصل عبر قنوات التمويل المصرفية والمالية، في حال لم تتغيّر السياسة النقدية، خاضعة لهذا المنظور الذي يربط أيّ نموٍّ مقبل، سواءً في الناتج المحلي الإجمالي أو في ثمار الإنفاق الاستثماري، بالسياسات التقشّفية التي تقوم على الحدّ من الإنفاق الاجتماعي. والحال أنّ هذه ليست وجهةً يمينيةً للاقتصاد فحسب، بل هي أيضاً تقع على النقيض من سياسات يمين الوسط التي تمّ تطويرها وفقاً للمنهج الكينزي، لتكون بمنزلة بديل من سياسات أقصى اليمين الجاري اعتمادها هنا، والتي فَشِلت في تقديم بديل مقنع عن الهياكل الحمائية الاشتراكية حتى في دول المركز الرأسمالي.
خاتمة
معاكَسة هذه الوجهة في الداخل، لن تفضي إلى حلول مستدامة للأزمات الاقتصادية المتراكمة التي تعاني منها سوريا، حتى مع رفع العقوبات، وما يصاحِبها من وصولٍ غير محدود إلى الأسواق الدولية، وانفتاحٍ لقنوات التمويل، وتدفُّقٍ للسلع والخدمات والرساميل. ملاقاة هذه العودة للبلاد إلى الاقتصاد الرأسمالي العالمي، يجب أن تكون عبر مقاربة تضع التدفّقات النقدية الآتية في خدمة نموّ غير مدفوع بسياسات التقشّف وحبس السيولة والتقليل من الكتلة العاملة، كما هي الحال الآن.
الرساميل التي ستأتي يُفترض بها، بهذا المعنى، تعزيز الطلب الاستهلاكي، بدل الحدّ منه، وهو ما يقود بدوره إلى نموٍّ أكبر من ذي قبل، لقطاعات التجارة والصناعة والخدمات، مع عودة الإنفاق الاستثماري الذي كانت تفتقر إليه الحقبة السابقة بشدّة، بحكم القيود التي وضعها نظام العقوبات على حركة الاستثمار وانتقال رؤوس الأموال من البلاد وإليها.
حتى الاستثمار الكبير الذي سيحصل في العقارات وإعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية ومرافق الخدمات والصناعة، سيواجه عثرات كبيرة، إن لم تصبّ الخطة الموضوعة لهذا النوع من الإنفاق في مصلحة توسيع المرافق الدولتية، لتكون بعد إصلاحِها بمنزلة القاطرة الفعلية لعميلة التنمية، بدلاً من القطاع الخاصّ أو الاستثمارات الأجنبية.
ليس ثمّة عودة للاشتراكية هنا، بل تعزيز لدور الدولة في تنظيم عملية الاستثمار وإعادة الإعمار، إذ تكون التدفّقات الرأسمالية المقبلة، وحتى انسياب السلع والعمالة والخدمات، مدخلاً لتدخّل الدولة، حتى في السياسة النقدية. هكذا نضمن عدم حدوث تركُّز للثروة أو حرمان للأكثرية منها، في حال استُبعد نموذج دولة الرفاه أو الرعاية من خطط التنمية المقبلة لمصلحة وجهة نيوليبرالية متطرّفة تستفيد من تدفّقات رأس المال الجديدة لتوسيع سياسات التقشُّف المُطبقة على نطاق ضيّق حالياً، وتحويلها، على ضوء زيادة نطاق التمويل، إلى «نموذج» للمرحلة المقبلة.
* كاتب سوري
