من التفكير الجمعي إلى التفكير المجموعي: عن العمل البلدي والتنمية

تعاني المجالس البلدية في قرى وبلدات ومدن لبنان من تحدّيات متشعّبة، اقتصادية واجتماعية، تتطلّب حلولاً مبتكرة، شاملة، ومستندة إلى مشاركة حقيقية من مختلف فئات المجتمع. في هذا السياق، يبرز مفهوم التفكير المجموعي كنهج فعّال وضروري، يُفترض أن يحلّ محلّ ما يُعرف بالتفكير الجمعي، الذي كثيراً ما يقود إلى قرارات متسرّعة أو غير فعّالة. تشرح هذه المقالة الفرق بين هذين النمطين من التفكير، وتبيّن لماذا يمكن أن يشكّل التفكير المجموعي ركيزة أساسية لنجاح التنمية الاقتصادية في العمل البلدي.
يشير التفكير الجمعي إلى ميل أعضاء مجموعة معيّنة إلى تجنّب الخلاف والانصياع لرأي الغالبية أو القائد، ما يؤدّي غالباً إلى قرارات ضعيفة أو غير مدروسة بسبب غياب التنوّع في الرأي والانتقاد البنّاء. التفكير المجموعي هو نتاج تفاعل عقلي متكامل بين أفراد يمتلكون خلفيات وآراء وتجارب مختلفة، يعملون معاً بشكل تشاركي لإيجاد حلول واقعية ومبدعة، مستفيدين من تنوّعهم بدلاً من تجاهله.
التفكير المجموعي مهم في العمل البلدي لأسباب عدّة ممكن ذكر ثلاثة منها هنا:
- أولاً: واقع القرى والبلدات والمدن في لبنان مركّب ومتشعّب، والكثير من هذه الأماكن تعاني من فقر مزمن وهجرة الشباب وضعف البنى التحتية وغياب استثمار مستدام في قطاعات أساسية، مثل الزراعة والسياحة والخدمات والصناعة والصحّة والصرف الصحّي. ولذلك، فإنّ اعتماد رؤية فردية أو أحادية في المجلس البلدي لا يكفي. المطلوب هو مشاركة المزارع، الشاب، المرأة، التاجر، المختار، والمهندس وكل طاقة ممكنة. من الضروري أن يشارك الكلّ بتفكيره، لا فقط بصوته، ويشعر أنه قادر وفاعل ومساهم.
- ثانياً: التفكير الجمعي يعزّز الولاءات بدل الحلول. عندما يسود التفكير الجمعي، تميل المجالس البلدية إلى اتخاذ قرارات تُرضي بعض الفئات السياسية أو الاجتماعية، من دون أن تُراعي بالضرورة مصلحة المنطقة ككل، بينما التفكير المجموعي يخلق بيئة تُشجّع على النقد البنّاء وصناعة القرار المبني على المعرفة لا على المجاملة.
- ثالثاً: التفكير المجموعي يولّد أفكاراً خلّاقة للتنمية الاقتصادية عبر جلسات عصف ذهني تضمّ فاعلين محلّيين مختلفين. يمكن اتخاذ خطوات عملية لتطبيق التفكير المجموعي في العمل البلدي. في الإمكان، مثلاً، عقد لقاء شهري حضوري وأونلاين في مبنى البلدية بين أعضاء المجلس البلدي ومهتمّين من المقيمين والناخبين بالقرية أو البلدة أو المدينة، من أجل طرح ومناقشة أفكار تهدف إلى تحسين واقع المنطقة، وحتى يشعر كل مهتمّ ومتأثّر بالعمل البلدي أنه مساهم وفاعل ومستخدم لطاقته وموارده بشكل فعّال ومشارك في صناعة القرار البلدي، بغض النظر عمّا إذا كان أو كانت ضمن أعضاء المجلس البلدي. هذه اللقاءات ممكن أن تكون على شكل جلسات عصف ذهني شهرية مفتوحة من أجل التفكير الجماعي بإدارة ميسّرين محلّيين أو شركاء تنمويين، وتخرج بتوصيات تُدرج رسمياً في برنامج عمل البلدية وتُتابع منهجياً.
من المفيد أيضاً تشكيل لجان محلية تشاركية تكون دائمة وتضمّ ممثّلين من النساء والشباب والمغتربين واختصاصيين في مجالات عدّة من المهتمّين بتحسين واقع القرية أو البلدة أو المدينة من المقيمين والناخِبين. ممكن أن تُشارك هذه اللجان في النقاش والتخطيط لا فقط في التنفيذ.
أيضاً، ممكن استخدام أدوات رقمية مفتوحة أو منصّات، مثل «بلديتي» أو «زوم»، لإشراك السكّان في اقتراح الأفكار وتقييم المشاريع البلدية. من المفيد أيضاً تبنّي مبدأ «الأفكار لا الأشخاص» من أجل خلق بيئة يشعر فيها الجميع أنّ أفكارهم تُناقش على أساس موضوعي، لا بناءً على خلفيتهم أو مركزهم الاجتماعي.
توجد أمثلة عدّة واقعية لممارسة التفكير المجموعي بدل التفكير الجمعي في العمل البلدي من أجل التنمية الاقتصادية. مثلاً: بدل أن يأخذ رئيس بلدية أو مجلس بلدي تشجير طرقات قرية أو بلدة أو مدينة على عاتق البلدية مع العلم بضعف مواردها (حالياً)، في الإمكان اقتراح هكذا فكرة في اللقاء الشهري من المهتمّين، إذ يقتصر بعد ذلك دور البلدية على التنسيق والتواصل الرسميين مع المعنيين وتأمين المواد اللازمة للمهتمّين.
بعد مناقشة فكرة التشجير في اللقاء الشهري والاتفاق على نوع الشجر المناسب مع متطوّعين مهتمّين من أهل الاختصاص (مهندسين زراعيين مثلاً بهذه الحالة) وتحديد أماكن الزرع مع متطوّعين مهتمين من أهل الاختصاص (اختصاصيين في التنظيم المُدني وهندسة الطرقات والأرصفة والزراعة). في إمكان التفكير المجموعي أن ينتقل إلى إمكانية شراء هذه الشتلات أو الحصول عليها مجّاناً من مؤسسات زراعية أو من وزارات الزراعة أو البيئة. بعد ذلك، يُحدَّد دور البلدية بالتواصل الرسمي مع المعنيين عبر إرسال طلب رسمي إلى وزارة الزراعة أو البيئة أو الجمعيات أو المؤسسات طلباً للحصول على الشتلات المطلوبة مجّاناً أو لمقارنة الأسعار عبر مناقصة.
بعد ذلك، يمكن أن يسهم التفكير المجموعي بإيجاد أساليب التمويل المناسبة (عبر ميزانية البلدية أو عبر جمعية أو عبر حملة جمع تبرّعات) لهذا الهدف. أيضاً، ممكن أن يسهم التفكير المجموعي بتوزيع كلفة وقت وجهد زرع شتلات الأشجار والاعتناء بها على أكبر عدد ممكن من المقيمين في القرية أو البلدة أو المدينة، إذ يحصل كل بيت أو محل أو مهتم على عدد صغير من الشتلات من مبنى البلدية لزرعها والاهتمام بها أمام بيته أو محلّه ويشعر أنه فاعل ويلمس نتيجة جهده مباشرة على مكان إقامته.
في الإمكان أيضاً اعتماد المنهجية نفسها عبر التفكير المجموعي في موضوع إنارة الطرقات، إذ يتم طرح ومناقشة، في اللقاء الشهري، فكرة تكفّل سكّان كلّ بناية أو بيت، مثلاً، بتركيب لمبة تعمل على الطاقة الشمسية، ويتوزّع بذلك الجهد والكلفة على كل المقيمين ويكون دور البلدية التنسيق وتحديد أماكن التركيب والتأكّد أنّ كلّ الطرقات بها نفس نوع الإنارة للحفاظ على المنظر العام الذي هو أيضاً حقّ عامّ.
في إمكان التفكير المجموعي أيضاً تسريع مشاريع شبكات طاقة شمسية مجتمعية تغطّي عشرات المنازل والمرافق العامّة عبر تعاونية وبعد دعوة السكّان، وخصوصاً أصحاب الخبرات التقنيّة والعاملين في قطاع الطاقة، للمشاركة في التخطيط ولتشجيع المهتمّين من المقيمين والمغتربين على توسيع نطاق المشروع وحتى يسهم السكّان بتمويل جزئي ذاتي من أجل توفير طويل الأمد على ميزانية البلدية والسكّان.
في إمكان اللقاءات الشهرية أيضاً أن تطرح وتناقش أفكاراً لها علاقة بإقامة سوق موسمي شعبي في ساحة عامّة يُدار بالتعاون مع البلدية ويفتح مرّة أسبوعياً، وإطلاق مبادرات لإعادة تأهيل وإحياء مشاغل مهجورة، والتفكير بإنشاء مركز تصدير إلى أسواق خارجية، والتفكير بحملات نظافة عامّة وحملات توعية معيّنة، وتنظيم معارض توظيف لربط المؤسّسات بباحثين عن فرص عمل ومعارض جامعية لتعريف طلاب المدارس على الاختصاصات الموجودة والمنح الموجودة في الجامعات وطرق ومواعيد تقديم الطلبات، وتأسيس منصات تعاون تجاري مستدام، ومناقشة اقتراحات لمشاريع صغيرة قابلة للتمويل ولتصويت المقيمين وغير المقيمين (دافعي الضرائب للبلدية) عبر تطبيق بلدي لاختيار أولويات الإنفاق، واعتماد شفاف لمشاريع تحظى بدعم الناس وتقليص النزاعات المحلية حول «توزيع المشاريع»، وتحسين صورة البلدية وكسب ثقة السكّان.
وخلال هذه اللقاءات يمكن طرح أمور مرتبطة، مثلاً: في الشفافية والموارد وتوزيع المسؤوليات والمحاسبة والسجلّات والمحاضر والحوكمة والأولويات، والمحاضرات وورش العمل والتصويت الإلكتروني، وإنشاء أماكن عامّة مثل حدائق أو مكتبات، وغيرها، بحسب ما يرى المجتمعون مناسباً.
فكرة اللقاءات الشهرية بين المقيمين والمهتمّين وأعضاء المجلس البلدي في كلّ قرية وبلدة ومدينة في لبنان، ممكن أن تكون خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، وهكذا لقاءات هي مكان صالح لطرح ومناقشة أفكار وأطر تنفيذ متاحة ضمن موارد وأولويات محدّدة. لكل بلدة وقرية ومدينة ظروفها وحاجاتها، وأهلها أعلم بها، والأهمّ كنقطة بداية هو أن يشعر كل شخص أنه قادر على المشاركة في العمل البلدي لأنه نواة عملية التنمية الاقتصادية. هكذا لقاءات مهمّة للتحوّل من التفكير الجمعي إلى التفكير المجموعي لاستخدام كل الطاقة الكامنة بكل فرد وجعله فاعلاً أكثر.
هذه الأمثلة، وممكن ذكر غيرها، توضح أن التفكير المجموعي يحفّز الابتكار من مصادر غير متوقّعة ويُوزّع المسؤولية والملكية بين المجتمع والبلدية ويُحسّن فرص نجاح التنمية الاقتصادية ويمنع الإقصاء أو الهدر. التفكير الجمعي قد يكون مريحاً من حيث تقليل الجهد والنقاش، لكنه قاتل للإبداع والتنمية. أمّا التفكير المجموعي، فهو القوّة المحرّكة وراء أي تغيير فعلي، لأنه يضع كل الإمكانات المتاحة في خدمة المصلحة العامّة. في قرى وبلدات ومدن لبنان، حيث الموارد محدودة، والاحتياجات كبيرة، لا بد من اعتماد التفكير المجموعي كنهج ثابت في العمل البلدي من أجل تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، واقعية، ومنبثقة من الناس وإليهم.
* أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية
