على بالي

الذي ينشأُ في لبنان يشعرُ أنّ بابا الفاتيكان هو جزءٌ من حياته. ثقافة لبنان الرسميّة والسائدة أقرب إلى المسيحيّة منها إلى الإسلام (خصوصاً في سنوات ما قَبل الطائف). كانت كلّ تحرّكات البابا وخُطَبه وتصريحاته تحتلُّ حيّزاً كبيراً في الإعلام المحلّي.
كان البابا بولس السادس جزءاً من طفولتي كما كان عبد الناصر، من ناحية الحضور المنتظم على الشاشة الصغيرة (الشاشة كانت بجدّ صغيرة في حينه). وفاة البابا فرنسيس تسترجع الذكريات من عهود من البابويّة الحاضرة دوماً في لبنان.
بولس السادس كان متحفّظاً كثيراً بالنسبة للقضيّة الفلسطينيّة، وكان أوّل بابا يخرج (طَوعاً) من بلاده ليقوم بزيارة إلى الأراضي المقدّسة، وكان ذلك فاتحة لتحسين العلاقة بين الفاتيكان وإسرائيل. خَلفَهُ في المنصب يوحنا بولس الأوّل الذي بقي في المنصب لأسابيع فقط. قالوا لنا في جريدة «النهار» يومها إنّه مات حزناً على لبنان. يوحنا بولس الثاني كان عنصراً فاعلاً في الحرب الأميركيّة السريّة (والعلنيّة) ضدّ الشيوعية. استعانت مخابرات أميركا بالكنيسة لتهريب ما تشاء إلى الدول الشيوعيّة. سيرة البابا هذا بقلم كارل برنستين («قداسته» بالاشتراك مع ماركو بوليتي) فيها الكثير عن دَور البابا العقائدي الرجعي.
البابا بنديكتوس السادس عشر كان أكاديمياً رجعيّاً يحمل في فكره عقيدة القرون الوسطى. تشرّب الاستشراقيّة التقليديّة من العداء ضدّ المسلمين، وبعض خُطَبه لم تلقَ الإدانة التي تستحقّها: في عام ٢٠٠٦، استشهد بإمبراطور روماني من القرن الرابع عشر في قوله إنّ الرسول جلب «أفكاراً شريرة وغير إنسانيّة» للعالم.
البابا فرنسيس افترق عن الرجعية الكنَسيّة وتأثّر بلاهوت التحرير: أوّل بابا ليبرالي. فيما يعنينا، كان موقفه من حرب غزّة أفضلَ من معظم المعمّمين والملتحين والصوفيّين والسلفيّين المسلمين. حتماً كان أفضلَ من شيوخ الأزهر والنجف. كان الرجل يتّصل يوميّاً بغزّة. محمود عبّاس (المفروض علينا زعيماً لشعب فلسطين) لم يكن يفكّر بالاتّصال يوميّاً بغزّة (للأمانة، كانت أجهزته تتّصل بجيش الاحتلال في غزّة للتنسيق الأمني الذي لم يتوقّف للحظة منذ بدء حرب الإبادة). من المستعبد أن يأتي بابا فاتيكان مثله. المرشحّون معظمهم رجعيّون.
