منذ بداية الأسبوع، تشهد سلطنة عمان تظاهرات يومية في معظم محافظاتها، تحت عنوانَين رئيسيْن: الأوّل، مطالبة مجموعات من العاطلين عن العمل بإيجاد وظائف لهم؛ والثاني، محاربة الفساد وكبار التجّار المستفيدين منه. فما الذي يجري فعلياً في السلطنة؟ وكيف ولماذا انطلقت هذه التظاهرات من صحار، وانتشرت دفعة واحدة في محافظات البلاد كافة، علماً أن آخر تظاهرات شهدتها عُمان كانت في عام 2011، تزامناً مع ما سُمّي «الربيع العربي»؟ بدأت الأحداث حين نظّم عشرات العاطلين عن العمل تظاهرة أمام مديرية صحار الإثنين الماضي، تخلّلتها هتافات من بينها «الشعب يريد إسقاط الفساد»، وقاموا بإلقاء الحجارة وقوارير المياه على الشرطة التي ردّت بإلقاء قنابل الغاز المسيّل للدموع، ثمّ امتدّت التظاهرات التي رفعت شعارات مماثلة على مدى الأيام التالية، لتشمل مسقط وظفار وعبري ونزوى وصور وصلالة وإبراء والخابورة والبريمي.

[اشترك في قناة ‫«الأخبار» على يوتيوب]
منذ اللحظة الأولى، قرّرت السلطات العمانية التعامل بليونة مع المتظاهرين، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن غضبهم من جهة، والسعي إلى تلبية مطالبهم من جهة أخرى. اكتفى رجال الأمن بحماية المحتجّين، حتى إنهم قاموا بتوزيع مياه الشرب عليهم في ظلّ الحَرّ الشديد، فيما أقام مسؤولو المحافظات حوارات مباشرة مع المتظاهرين للوقوف على مطالبهم، ثمّ أصدر السلطان هيثم بن طارق توجيهات إلى وزارة الدفاع بفتح باب التوظيف في القوات المسلّحة، لاستيعاب ما يمكن من العاطلين عن العمل. وكان مفتي السلطنة، أحمد بن حمد الخليلي، الذي يحظى باحترام عُماني وعربي واسع بسبب موقفه المناهض للتطبيع مع إسرائيل، دعا المتظاهرين والسلطة إلى الابتعاد عن العنف، ولكنه انحاز إلى مطالب المحتجّين، حين اعتبر أن «صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها»، داعياً «جميع المسؤولين إلى أن يسعوا إلى حلّ مشكلات مَن هم تحت مسؤولياتهم؛ فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».
منذ البداية، كان واضحاً أن سقف الاحتجاجات مرتفع. إذ وجّه بعض المحتجين رسالة مباشرة إلى السلطان، مطالبين إيّاه بمحاربة الفساد وتأمين وظائف للشبان، إمّا بخلق فرص عمل جديدة وإمّا بإحلال العُمانيين مكان الوافدين، وزيادة الرواتب، والاهتمام بذوي الدخل المحدود، وإلغاء الضرائب عن المواطنين، وتوفير السكن لهم.
وانصبّ غضب هؤلاء المتظاهرين على تجّار البلد و»هواميره» الذين أكلوا الأخضر واليابس، وعلى قيام بعض الشركات بتسريح عددٍ كبير من الشباب. وإذ حذّر بعض العُمانيين، على وسائل التواصل الاجتماعي، من أنه إذا لم تتدخّل الحكومة لمعالجة المطالب ومحاربة الفساد، فستكون ثمّة مفاجآت تهزّ البلد، دان البعض الآخر العجز المالي للمواطنين في مقابل الوفرة المالية لدى المسؤولين، ودعا إلى محاسبة الفاسدين، والتوظيف المباشر للباحثين عن عمل بعيداً عن المبادرات، في إشارة إلى مبادرة السلطان. ولمّح قسم ثالث إلى وجوب فتح ملفّات الفاسدين الذين جنوا أموالهم خلال خمسين سنة ماضية، في إشارة إلى العهد السابق، وسحب جميع الأموال منهم.
وبعد أيّام من التحرّكات السلمية، بدا أن الأمور تسلك منحى تصاعدياً، خصوصاً مع دخول السعودية والإمارات، اللتين تُشكّلان مع اليمن الحدود البرية للسلطنة، على خطّ الأحداث، بالتحريض على استخدام الشدّة ضدّ المتظاهرين. واعتقلت الشرطة العمانية 13 شخصاً لاتهامهم بالتورّط في أعمال شغب وإضرام النار في أماكن وممتلكات عامة في محافظة البريمي المحاذية للإمارات، والتي كان جزء من أراضيها موضع خلاف حدودي بين البلدين، جرى توقيع اتفاق بشأنه بين السلطان قابوس وزايد بن سلطان في عام 1999. وكالعادة في كلّ حراك خليجي، بدأ التدخّل السعودي عبر الذباب الإلكتروني الذي يديره سعود القحطاني، والذي رفع وسم «يهمّنا استقرار سلطنة عمان الشقيقة»، وهو التعبير المرمّز لدعوة السلطات العمانية إلى استخدام القوة ضدّ المتظاهرين، ثمّ أجرى الملك سلمان اتصالاً بالسلطان ليبلغه تمنّياته للسلطنة «بالتقدّم والازدهار».
التحريض الإماراتي كان أكثر صلافة؛ إذ اتّهم الذباب الإماراتي جماعة «الإخوان المسلمين» بالوقوف وراء تلك الاحتجاجات، وهو اتهام ليس له سند على أرض الواقع، خصوصاً أن المحتجّين عبّروا عن مطالب اقتصادية بحتة، لا علاقة لها بالسياسة. وفي المقابل، اتهم عُمانيون الإمارات بالسعي إلى إثارة الفتنة في السلطنة. وإذا كان من الطبيعي أن تقلق السعودية من تظاهرات احتجاج على البطالة في دولة جارة، وهي التي لديها بطالة تزيد عن 14%، فإن العلاقة بين السلطنة والإمارات لها طابع كياني، حيث تأسّست الإمارات في عام 1971 من ما يُسمّى «إمارات الساحل العماني المتصالح»، بعدما كانت بعض إمارات الدولة تدين بالولاء لسلطان عمان. لكن أسباب السعودية والإمارات للدخول على خطّ الأحداث العمانية تتعدّى ذلك، لتشمل الأدوار التي تلعبها السلطنة في الملفّ النووي الإيراني وملفّ اليمن، والتي لا يبدو أنها تُرضي أيّاً من الدولتين.