طيلة أربعة عقود، لم يتوقف «معرض الكتاب السنوي» في طرابلس، حتى في ظل اشتداد الاشتباكات المسلحة التي سادت عاصمة الشمال قبل سنوات، وأرخت صورة قاتمة على المدينة الشمالية. أمس، دشن المعرض فعالياته في قاعة «الرابطة الثقافية» المنظمة له، على أن يستمر حتى 26 تموز (يوليو) الحالي. أصرّ المنظمون على إقامته ولو في تاريخ مؤجل، بعدما كان مقرراً في الأول من نيسان (أبريل) الماضي. إلا أنّ وباء كورونا، وما تبعه من آثار اقتصادية واجتماعية صعبة، أدى إلى تأجيل الحدث. إذاً، انتقل المعرض، في نسخته السادسة والأربعين إلى قاعة «الرابطة الثقافية»، بعدما كان «معرض رشيد كرامي الدولي» يحتضنه على مساحة تمتد على 80 ألف متر، وتتسع لـ 100 ألف زائر. تقلصت المساحة هنا، وكذلك عدد الزائرين والمشاركين، تفادياً لتفشي كورونا، وأيضاً، كجزء من تخفيف الأعباء المالية التي ستترتب على المنظمين. هكذا، انطلق «معرض الكتاب السنوي» في طرابلس، مع مروحة واسعة من الأنشطة الثقافية، والأمسيات الشعرية وحفلات التواقيع والندوات المختلفة التي تراوح بين السياسة والشعر والأدب.


(دايل إدوين موراي ــ المملكة المتحدة)

إصرار واضح على إقامته تحدياً للظروف التي تمرّ فيها البلاد، بخلاف أغلب الفعاليات الثقافية التي ألغيت أو تأجلّت بفعل تفشي الوباء، وعجز المنظمين عن مواكبة تداعيات الأزمة المالية الخانقة. لكن من أين يأتي هذا الإصرار، خاصة في هذه الظروف التي تفرض نوعاً من المغامرة في إقامة فعالية ثقافية كمعرض الكتاب؟ سؤال حملناه إلى رئيس «الرابطة الثقافية» رامز عبد القادر الفرّي، الذي شبّه إقامة المعرض هذا العام، بمثابة «إضاءة شمعة» من شأنها أن تعطي صورة إيجابية عن طرابلس، كمدينة «للعلم
والعلماء والانفتاح»، واصفاً هذه الخطوة بـ«المقاومة الثقافية» و«بالوجه الحضاري» الذي ستعطيه عاصمة الشمال عن نفسها. وعن الإجراءات المستحدثة في مبنى الرابطة، تجنباً لتفشّي الوباء، يشرح الفرّي، أن صغر مساحة المعرض هذا العام سيسهم أوتوماتيكياً في تقليص عدد الزوّار، إلى جانب إصرار المنظمين على إرسال دعوات خاصة، بدل أن تكون كل الأنشطة مفتوحة ومتاحة للجميع. إقامة المعرض ـ رغم الأوضاع الصعبة الحالية، خاصة في طرابلس ــ لا ينفصل بالتأكيد عن تحديات سوق الكتاب والتشجيع على القراءة في زمن الثورة التكنولوجية، فيجد الفرّي في هذا الشق، فرصة لتنشيط المطالعة، لا سيما مع الأعداد المتزايدة للعاطلين عن العمل. يلفت هنا، إلى مساهمة دور النشر في خفض أسعار الكتب، وتجنبها الخوض في لعبة بورصة الدولار الجنونية، إذ سيظل السعر المعتمد للكتب على التسعيرة الأساسية للدولار أي 1500 ليرة لبنانية.
أنشطة تربوية، سياسية واجتماعية، إلى جانب محاضرات وتواقيع كتب، لعلّ البارز فيها، تخصيص حيّز لفلسطين ولـ«صفقة القرن»، كندوة تقام الأحد المقبل بعنوان: «آخر المستجدات على الساحة الفلسطينية وصفقة القرن»، يشارك فيها عضو «المجلس الثوري» ومسؤول الإعلام في حركة «فتح» رفعت شناعة. على أن تتضمن ندوة أخرى (23/7 ــــ س: 17:00) الحديث عن «مخاطر صفقة القرن على الأمتين العربية والإسلامية» يشارك فيها رئيس الاتحاد العام للإعلاميين العرب، وسفير الإعلام العربي عن دولة فلسطين رضوان عبد الله، والمحامي أحمد مرعي، والمحامية مارلين دياب، على أن يدير الندوة ربيع العمري. ومن ضمن الأمسيات أيضاً، مساحة لفلسطين، تحت عنوان «فلسطين فوق الصفقات وأقوى من المؤامرات» (25/7). وفي ذكرى استشهاد الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، تنظم «جمعية نواة التضامن» (فرع مخيم نهر البارد)، أمسية شعرية (20:7 س: 16:00) يشارك فيها الشعراء الشباب: أحمد ديب، فرح كركي، قمر موسى، نغم عثمان. ومن ضمن الندوات المقامة في المعرض، واحدة حول «أجيال القاعدة عولمة وإدارة التوحش» (20/7)، يحاضر فيها كل من نهلا الشهال، علي شندب، هشام عليوان، وعامر أرناؤوط. على أن يضم المعرض أكثر من خمسين توقيعاً، لأدباء وشعراء، من ضمنها توقيع اليوم لكتاب حسام خياط «جورج نصر بالكاميرا». وللسنة الرابعة على التوالي، سيضمّ المعرض، «سمبوزيوم» للرسم والنحت، يحمل عنوان «تحت أرزك توحدنا».
إذاً، رغم الصعوبات المالية والاجتماعية والصحية، يتحدّى «معرض الكتاب السنوي» في طرابلس، هذه الظروف ويقدم على خطوة شجاعة ومغامرة في الوقت عينه، ليثبت بذلك أن المعوقات يمكن تخطّيها بأكلاف أقل وبجهود أكثر، لتسهم بذلك في تثبيت صورة مضيئة لعاصمة الشمال، على الرغم من التشويه الذي طالها أخيراً، وتقديمها كمدينة تشعّ ثقافة في عصر يُراد له أن يطمس بالظلامية وبالجهالة.

* «معرض الكتاب السنوي في طرابلس»: حتى 26 تموز (يوليو) ـــ مبنى «الرابطة الثقافية- شارع الثقافة» (طرابلس) ـ من الساعة 15:00 إلى 20:00 – للاستعلام: 03/862144