كمال داود: «غونكور» للإسلاموفوبي المتصهين!

يوم الاثنين، أعلنت أكاديميَّة «غونكور» الفرنسية عن حصول رواية «حوريّات» للكاتب كمال داود على جائزة دورةِ 2024 في صنف الرِّواية. وقبلَ الخوض في ملابسات هذا «التتويج» وكامل السياق السوسيوــ ثقافي الذي انتهى به، لفت انتباهَنا الكثير من التشابه بين هذه الدورة ودورة 1987، التي حصل فيها الطاهر بنجلون على الجائزة نفسِها في الصِّنف نفسِه، عن روايتِه «ليلة القدر»: فالروايتان، انطلاقاً من العنوانين، تستثمران — في نزعة نيوــ اسشراقية وفولكلورية تحتقر الشعوب الشرقية — المعتقَدات الإسلاميَّة بإيمانيَّاتِها المقدَّسة ومتخيَّلاتِها الشعبيَّة. والرَّوائيَّان معاً صارا يعَدَّان ـــــ وفقاً للدراسات الثقافية المستندة إلى سوسيولوجيا الثقافة ــــ أبشعَ تمثيلٍ لظاهرة ما يصطلَح على تسميته بـ «العرب في خدمة الاستعمار» (arabes de service)؛ بسبب ما اتَّخذاه من مواقف انبطاحيَّة فيها الكثير من احتقار الذات، ومواقف تبريريَّة وصلت حدَّ إدانة حركات المقاومة العربيَّة والإسلاميَّة وتبرير المجازر التي تقترفها الكولونيالية في المشرق العربي.
عند فوزه بالجائزة، صرَّح كمال داود، تلميحاً إلى عشريَّة الدَّم في الجزائر التي تشكّل موضوع روايته: «ليس من السهل الحديث عن الحرب. يستغرق الأمر وقتاً. لا بد من الحداد. أنت بحاجة إلى كلمات. أنت بحاجة إلى مسافة. في الجزائر، تعرضت للهجوم لأنني لست شيوعياً، ولا مؤيداً للاستعمار، ولا مناهضاً للفرنسيين».

هذه النزعة في تصنُّع «الحياد» تجاه الصراعات الحديثة والراهنة بين الشعوب العربيَّة والقوى الاستعماريَّة هي ديدن جلّ «الأنتلجنسيا» العربية الحاليَّة تجاه كل المجازر التي تحدث. حياد يتَّخذ أحياناً شكل الصمتِ وأحياناً شكل المساواة بين الجلاد والضحية؛ ولكنه يصل مع كمال داود حدَّ تبنِّي وجهة نظر الغرب الاستعماري كلِّيَّةً، في تماهٍ كاملٍ مع وجهة النَّظر الفرنسية الرسميَّة، حين يصرِّح، وهو الحاصل في 2020 على الجنسيَّة الفرنسيَّة، في إشارة إلى الشاعر غيّوم أبولينير الذي ولد بولندياً وتجنّس في منتصف الحرب العالمية الأولى: «أنا مصاب بمتلازمة أبولينير، وأنا فرنسي أكثر من الفرنسيين. وُلِدَتْ «حوريات» لأنني أتيت إلى فرنسا. لأنها بلد يمنحني حرية الكتابة، فهو بلد يرحّب بالكتّاب. نحتاج دائماً إلى ثلاثة أشياء لنكتب: طاولة وكرسي وطن. لدي الثلاثة جميعاً».
ويبدو أنَّ أحد مفاتيح فهم شخصيَّة كمال داود يكمن في انتمائه خلال فتوَّته وشبابه إلى التيار الإسلامي، وتحديداً إلى «جبهة الإنقاذ الإسلامية» الجزائريَّة. فغالبيَّة هؤلاء المتحوِّلين من الميول الإسلاميَّة المتطرِّفة إلى التطبيل للغرب، تحتَ لافتة المراجَعة الفكريَّة، ينقلبون من مستعمَرين يستبطِنون بشكل مفضوح شخصيَّة المستعمِر إلى ناطقين رسميِّين باسم حركات اليمين المتطرِّف الأوروبي بنزعته الاستعمارية وإسلاموفوبياه ودعمه اللامشروط للكيان الصهيوني.
ويكون أول معالم هذا الحديث بالـ«وكالة» عن الاستعمار الجديد الانسلاخ الكامل عن العمق الثقافي العربي ــ الإسلامي، بمبررات واهية ومكرورة، مثل جواب كمال داود عن سؤال عدم كتابته باللغة العربية، قائلاً: «اللغة العربية محاصَرة بالمقدسات، بالأيديولوجيات المهيمِنة. لقد قمنا بتصنيف هذه اللغة وتسييسها وأَدْلَجَتِها». ولكنَّ ذلك لم يمنعه — يا لِلمفارَقة — في عام 2018 من قبول دعوة «متحف بيكاسو» لليلة قضاها في وسط لوحاته المثيرة، مطلِقاً آراءه حول الإغراء، وعاطفة الحب والرغبة، والعناق، من أجل صنع جسر بين الغرب والعالم العربي عن الجنس والفن والذاكرة. هي حتماً نظرة تلفيقيَّة وانتقائيَّة ونيو ــــــ استشراقيَّة: الابتعاد عن اللسان العربي، ولكن استثمار الأيروتيكا العربيَّة والمتخيَّل الجنسي العربي ــ الإسلامي في كلِّ ما يستثير القارئ الغربي المتلصِّص على «جسدنا العربي الجريح».
بالمنطلقاتِ الدُّونيَّة ذاتِها، كان كمال داود قد أصدر في تشرين الأول (أكتوبر) 2013 روايته الأشهر «مورسو، تحقيقٌ مضادٌّ»، وهي إعادة كتابة لرواية «الغريب» للكاتب الكولونيالي الفرنسي ألبير كامو، لا مِنْ منطلَق دحض رؤاها الاستعماريَّة والقطعِ معها، وإنَّما كاستمراريَّة لنفسِ النَّظرة الاستعلائيَّة للأوروبي تجاه العربي. يصرِّح الكاتب: «من دون قراءة الرواية، اعتقد الكثير من الناس أنها كانت هجوماً من قِبَلي على رواية كامو، لكنني لم أكن بتلك العقلية. أنا لست مجاهداً سابقاً. أمسكت بـ «غريب» كامو لأنه رجل يشكك في العالم. أردت أن أكون جزءاً من هذا الاستمرار».
في 31 كانون الثاني (يناير) 2016، نشر كامل داود مقالاً في صحيفة «لوموند» ناقش فيه الاعتداءات الجنسية في رأس السنة نفسِها في ألمانيا، ورأى أنّ الإسلام السياسي هو السبب الرئيسي لـ «العلاقة المريضة مع المرأة، مع الجسد والرغبة في العالم العربي»؛ فانبرت له مجموعة من علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع والصحافيين والمؤرخين متَّهمين إياه بإعادة تدوير «الكليشيهات الاستشراقية الأكثر ابتذالاً» و«تغذية الأوهام المعادية للإسلام لدى جزء متزايد من الجمهور الأوروبي، بحجة وجوب فرض القيم على هذه الكتلة المريضة بدواعي تفوّق القيم الغربية التي يستحضِرها».
بالخلاصة، وعلى العكس من كتَّابٍ مناهضين للكولونيالية والصهيونيَّة ومفتخرين بالثقافة العربيَّة الإسلاميَّة (مثل كاتب ياسين وإدمون عمران المالح) انغلقت في وجههم وسائل الإعلام في فرنسا، يبدو أنَّ كمال داود (وبوعلام صنصال والطاهر بنجلون) صاروا جزءاً لا يتجزَّأ من الآلة الدعائيَّة الفرنسية (والغربيَّة) المواكبة للآلة الجهنمية الحربيَّة الموغلة في دمائنا: لم يعد كمال داود يجد ضيراً في أن يحاوره الكاتب «الإسرائيلي» رفائيل أورشالمي (عدد 15 مايو 2019) في مجلة «شارلي إيبدو» إحدى أكثر المجلات الفرنسية عداءً للعرب والمسلمين، حول قضية المرأة والشأن الديني وغيرهما من الموضوعات التي صار يتهافت عليها اليمين الفاشي الفرنسي، وخصوصاً إذا كانت وجهة النظر المطروحة فيها أفكار دونيَّة مثل أفكار كمال داود. لم يقف الأمر عند حوار صحافي، بل تعزَّز بكتاب مشترك بين كمال داوود ومحاوِره، تحت عنوان «مكتبةٌ أوديسيَّة: الكتب المحفوظَة».
لكنَّ ولاء داوود للكولونياليَّة بلغ مداهُ الأقصى بوضعه خاتمةً لكتاب جماعي بعنوان «7 أكتوبر2023. مذبحة ضدَّ اليهود في القرن الحادي والعشرين» (باريس، فلاماريون، 2024) يبصم فيها بأصابع ضميرِه العشرة على الجرائم الحاليَّة في غزة والضفة ولبنان، من أجل كعكة جائزة بطعمِ الدَّم.
ينبغي لما تكرِّسه المقاومة المسلَّحة الآن أن يكون مقروناً بإسناد ثقافي موازٍ ومزدوج: دعم حركات التحرُّر بالمواكبة المعرفية وتفكيك آليات محاولة الغرب الاستعماري فرض وكلائه الثقافيين علينا.
