حرب إسرائيل على «الأونروا»: «معهد قلنديا» آخر ضحايا المحو

استولت إسرائيل على «معهد قلنديا» التابع لـ«الأونروا»، وبدأت تحويله إلى منشأة تابعة لبلدية الاحتلال، في تصعيد جديد يستهدف وجود الوكالة في القدس. وتأتي الخطوة ضمن مسار يربط تصفية «الأونروا» بتوسيع حدود البلدية وطمس قضية اللاجئين.

أحمد العبد
أحمد العبد
الجمعة 28 آب 2026
رفع جيش الاحتلال العلم الإسرائيلي على سطح معهد قلنديا (من الويب)
رفع جيش الاحتلال العلم الإسرائيلي على سطح معهد قلنديا (من الويب)
الخط

رام الله | افتتح اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي، بمرافقة وزير «الأمن القومي» إيتمار بن غفير، «معهد قلنديا للتدريب المهني» التابع لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، الثلاثاء الماضي، مرحلة جديدة أكثر عدوانية في مسار طيّ ملفّ اللاجئين والتخلّص من وجود «الأونروا» في القدس، بالتوازي مع توسيع حدود بلدية الاحتلال شمالاً في اتجاه رام الله. وفي هذا السياق، يلفت مستشار محافظة القدس، معروف الرفاعي، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن عملية الاقتحام لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها أشهر من التهديدات المتواصلة بالاستيلاء على المنشأة الأممية، الذي تَحقّق قبل أيام بعملية واسعة شملت منطقتَي قلنديا وكفر عقب. وإذ احتجزت قوات الاحتلال، في خلال العملية التي استمرّت ساعتَين، مدير المعهد ونحو 40 موظفاً، وأخضعتهم لتحقيق ميداني، قبل أن تبلغهم باستحالة عودتهم نهائياً، فهي أجبرت عناصر الأمن على مغادرة المكان، الذي بات، منذ تلك اللحظة، تحت حراسة عسكرية إسرائيلية دائمة.

ولم ينتظر الاحتلال كثيراً لترجمة أهدافه المرتبطة بالمكان؛ إذ باشر فوراً إعادة تأهيل الموقع لمصلحة «بلدية القدس»، علماً أن مبنى المعهد كان خضع لـ«مُحاصرة خدمية» منذ أربعة أشهر عبر قطع الكهرباء والمياه والاتصالات عنه، في تمهيد مكشوف للسيطرة عليه. وفي حين دخلت طواقم بلدية الاحتلال وشركات الخدمات التابعة له لإعادة وصل تلك المرافق، فهي شرعت أيضاً في اقتلاع الخزائن والأسرّة من الغرف التي كانت مخصّصة لإقامة الطلاب والموظفين، تمهيداً لتحويلها إلى صفوف دراسية. وخلافاً لِما روّجت له بعض وسائل الإعلام العبرية من أن الاقتحام يهدف إلى هدم المباني، اتّضح أن الهدف من العملية الاستيلاء على المنشأة والأرض القائمة عليها، البالغة مساحتها نحو 84 دونماً، وإعادة توظيفها إسرائيلياً. وبحسب الرفاعي، تعتزم البلدية إقامة «قرية تعليمية» تضمّ مدارس وحضانات تعمل وفق المنهاج الإسرائيلي وامتحانات «البجروت»؛ الأمر الذي يعني استبدال المنظومة التعليمية الفلسطينية بأخرى إسرائيلية في قلب منطقة مكتظّة باللاجئين، مع ما يحمله ذلك من محاولة لتهشيم الوعي والهوية الوطنيَين.

خضع المعهد لـ«مُحاصرة خدمية» منذ أربعة أشهر عبر قطع الكهرباء والمياه والاتصالات


ورغم إدانة «الأونروا» عملية الاستيلاء على المعهد، ووصفها إيّاها بـ«غير المُصرّح بها والمثيرة للقلق العميق»، وتشديدها على أن المعهد محميّ بالامتيازات والحصانات الممنوحة للمنظّمة بموجب القانون الدولي، فإن تلك الإدانة، كسابقاتها، لم تُترجَم إلى ردع فعلي على الأرض. ولا تنفصل هذه الواقعة عن العدوانية الإسرائيلية المتصاعدة ضدّ المنظمة الدولية؛ ففي كانون الثاني 2024، فرض الاحتلال «دَيناً» بقيمة 17 مليون شيكل على «الأونروا» بأثر رجعي، بذريعة إقامة مبانٍ واستخدامها من دون تصريح من «سلطة أراضي إسرائيل». وفي تشرين الأول من العام نفسه، صادق «الكنيست» على قانونَين - دخلا حيّز التنفيذ في كانون الثاني 2025 -، يمنعان «الأونروا» من العمل داخل إسرائيل، ويسحبان امتيازاتها، ويحظران أيّ اتصال رسمي بها. وأعقب ذلك إخلاء المقرّ الرئيس للوكالة في حيّ الشيخ جراح، مطلع عام 2025، لتتوالى المداهمات التي طاولت مؤسّساتها التعليمية في المدينة في شباط، قبل أن تتسلّم قرارات بالإخلاء. وفي أيار 2025، أُغلقت بالقوة ستّ مدارس تابعة لـ«الأونروا» في القدس، بينها مدارس مخيم شعفاط، ما أضرّ بنحو 800 طفل.

وتُظهر هذه الإجراءات مسارَين متلازمَين: تصفية الوكالة كمؤسّسة، وطمس قضية اللاجئين كملف سياسي حيّ. فالاحتلال لا يستهدف المنشآت والأراضي بحدّ ذاتها، بل يرمي كذلك إلى استهداف مصطلح «اللاجئ الفلسطيني» نفسه، إذ طالما بقيت مرافق «الأونروا» قائمة، تظلّ القضية حاضرة في أروقة المحافل الدولية، وهو ما يفسّر تركيز الاستهداف على القطاعَين التعليمي والصحي تحديداً. ولا يبدو اختيار موقع «قلنديا» عشوائياً ضمن هذا المخطّط؛ فالمعهد لا يبعد سوى مئات الأمتار من حدود محافظة رام الله، ما يجعل السيطرة عليه جزءاً من مشروع أوسع لتوسيع حدود بلدية الاحتلال في القدس شمالاً، بالتوازي مع خطط أُعلن عنها سابقاً للتوسّع جنوباً في اتجاه الخليل وشرقاً نحو أريحا. ويترافق ذلك مع ضمّ كتل استيطانية كبرى يعيش فيها نحو 300 ألف مستوطن إلى محيط القدس، بينها «غوش عتصيون» و«معاليه أدوميم» و«جفعات زئيف» و«كوخاف يعقوب»، لتَدخل ضمن صلاحيات بلدية الاحتلال، في ما يعكس سياسة واضحة لتغيير التركيبة السكانية في القدس لمصلحة المستوطنين وتقليص نسبة الفلسطينيين فيها.

وفي هذا السياق، يؤكد الرفاعي أن السيطرة على معهد قلنديا تأتي ضمن مسار يجمع بين الاستيلاء على مؤسّسات «الأونروا»، وتغيير وظيفة الأراضي والمنشآت، وتوسيع نطاق السيطرة البلدية للاحتلال، فضلاً عن فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة حول القدس. ويوضح أن المعهد، الذي تأسّس عام 1952 بموجب اتفاقية بين الحكومة الأردنية آنذاك و«الأونروا» لدعم أبناء لاجئي عام 1948، يحمل، إلى جانب دوره التعليمي والخدمي، أهمية سياسية باعتباره إحدى المؤسسات التي تجسّد النكبة وقضية اللجوء. وإذ يشير الرفاعي إلى أن المعهد خرّج حتى الآن نحو 40 ألف طالب يعملون في أنحاء مختلفة من العالم - بعدما وفّر لهم تعليماً مهنياً مجانياً، شمل السكن والإقامة -، فهو يؤكد أن تبعات الاستيلاء عليه تتعدّى أسواره لتهدّد نحو 150 ألف فلسطيني في قلنديا وكفر عقب ومحيطهما، معتبراً أن مسعى إقامة مجمّع تعليمي تابع لبلدية الاحتلال في منطقة مكتظّة باللاجئين «يحمل بعداً يتجاوز التعليم إلى التأثير في الهوية الوطنية لسكانها».