أبو بكر شوقي: مرثية للقاهرة
يستعيد فيلم «القصص» عقوداً من التاريخ المصري عبر حكاية عائلة واحدة، ليطرح أسئلة عن الهوية والذاكرة والسلطة والقدر. وبين التفاصيل اليومية والتحولات السياسية، يرسم مرثية مؤثرة للقاهرة، حيث تتقاطع الأحلام الفردية مع تاريخ لا يكف عن إعادة تشكيل مصائر أبنائه


تضعنا السينما في أجمل تجلياتها أمام معضلة الهوية والقدر، وتطرح علينا سؤالاً وجودياً عابراً للأزمنة يمس جوهر رحلتنا الإنسانية: هل نحن حقاً الذين نكتب حكاياتنا بأيدينا ونملك زمام مصائرنا أم أنّ هناك يداً خفية وتاريخاً مشحوناً بالتقلبات يفرض علينا مسارات إجبارية لا نملك سوى الانصياع لها؟ أو السؤال في صيغته الدارجة «الإنسان في الوطن العربي مخيّر أم مسير؟»
في فيلمه الروائي الجديد «القصص» الذي صوِّر تحت اسم «صيف 67»، يعود المخرج والكاتب أبو بكر شوقي ليقدم مرثية سينمائية عائلية شديدة العذوبة والخصوصية، وفي الوقت ذاته مثقلة بالتحولات الوجودية والسياسية والاجتماعية التي عاشتها الدولة المصرية على مدار عقود متتالية من تاريخها الحديث.
الفيلم الذي سجل عرضه العربي الأول في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»، يبدو للوهلة الأولى عملا ًنخبوي الملامح أو فيلم «مهرجانات»، لكنه ينفذ ببراعة شديدة الملاحظة إلى قلب الشخصية المصرية، ليفكك علاقتها المعقدة بالزمن، وبالسلطة، وبالمحيط، وبالأحلام المجهضة وسط واقع عربي شديد الصعوبة والتقلب.
قبل الحديث في تفاصيل العمل وبنيته الدرامية، لا بد من التوقف عند قرار صناع الفيلم والجهة المنتجة بتغيير اسمه من «صيف 67» إلى العنوان الحالي «القصص». عنوان أقل جاذبية على المستوى الجماهيري لكنه أكثر ملاءمة لإيقاع العمل. يؤكد عنوان الفيلم من اللحظة الأولى زمن الفيلم الدائري، فتعريف قصص يقول ضمنياً إنّ هذه هي قصصنا المكررة وإن تغيرت الشخصيات والأحداث.
طبعًا السينما والأدب والفنون الإنسانية ككل ليست في حقيقة الأمر سوى قصص تحكى وتتناقل ويعاد تدويرها.
نيللي كريم بين «ذات» و«فيروز»
الاسم القديم «صيف 67» كان يتشابه مع أفلام عالمية عدة صدرت خلال الأعوام الأخيرة، ويتقاطع بالضرورة مع رواية شهيرة للأديب المصري إبراهيم عبد المجيد. لكن أحداث الفيلم تتقاطع بشكل كبير مع رواية «ذات» للكاتب الراحل صنع الله إبراهيم سواء في صيغتها المكتوبة أو نسختها التلفزيونية في مسلسل بالاسم نفسه، خصوصاً أن نيللي كريم هي بطلة العملين، مرة في دور «ذات»، والآن في دور الأم «فيروز».
عزف مرتبك
في المشهد الافتتاحي للفيلم، نتابع عزفاً مرتبكاً على بيانو للممثل أمير المصري، أحد أبطال الفيلم. ضوضاء منظمة تنقلك إلى مناخ الفيلم وإيقاعه. بعدها وبتتابع المشاهد، تشعر وكأنك اكتشفت جوهرة سينمائية حقيقية نجحت في التعبير بصدق عن الإنسان الذي يعيد اكتشاف نفسه ومحيطه، وعن ذلك القدر الذي جعله يولد في هذا البلد وفي ذلك الوقت تحديداً.
الإعلام متّهم!
أحد أبرز الخطوط السردية المهمة والإشكالية في الفيلم هي شخصية المذيع التلفزيوني «داوود»، الذي جسد ملامحه الممثل حسن العدل ببراعة ملحوظة.
يظهر داوود على الشاشة كمذيع عابر للعصور والرئاسات، يتنقل بسلاسة مريبة بين حقبة جمال عبد الناصر وأنور السادات ومطلع عصر حسني مبارك، مخاطباً الجمهور والمشاهدين بشكل مباشر ومنحاز دائماً لاختيارات السلطة الحالية أياً كانت توجهاتها. تجسيد حيّ لخطاب الإعلام السلطوي المتلون، والرجل الذي يملك القدرة على أن يمتدح القرار ونقيضه في ليلتين متتاليتين وبالحماسة نفسها.
محاصرة الفيلم في الصالات وقطع أجزاء منه
يبدأ في حقبة ما بالحديث الحماسي عن زعيم العروبة، وينتهي في حقبة تالية بالدفاع المستميت عن التطبيع وعصر الانفتاح الاقتصادي، مروراً بترديد العبارة الجاهزة التي سكنت الوجدان والذاكرة بأنّ «سيادة الرئيس يمتلك دائماً رؤية عظيمة لمستقبل مصر».
في بيت مصري بسيط كان كل شيء يدور حول التلفزيون: المباريات والأخبار المهمة، وفي كل مرة يظهر فيها داوود على الشاشة ليردد كلماته المباشرة، ينقلنا من الواقع الدافئ المدهش الذي رسمت به الشخصيات العائلية، إلى الرمزية الفجة عن اتهام الإعلام في كل العصور.
سنوات مفصلية ومقص الرقابة
يتخذ الفيلم من المحطات التاريخية الكبرى ركائز زمنية يستعرض من خلالها تبدل أحوال المجتمع ونفسية أفراد هذه العائلة، متوقفاً عند سنوات مفصلية يفتتح بها كل قصة. قصص بدأت من انكسار عام 1967، مروراً بنشوة العبور في عام 1973، ثم لحظة عام 1977 التي شهدت مفارقة الترقية الوظيفية للأب «راغب» بالتزامن مع انتفاضة الخبز، وصولاً إلى عامي 1981 و1984.
هذه السنوات هي الأكثر حساسية في تاريخنا، جعلت أجزاء من الفيلم ضحية لمقصّ الرقيب أثناء عرضه في مصر. نجد مثلاً في المقطع الدعائي للفيلم مشهداً يعبّر عن فرحة الأخ الذي لم يصله جواب استدعاء الجيش وقت الحرب لكنه غير موجود في النسخة المعروضة في الصالات. وهناك مشهد آخر عن دهس صورة جمال عبدالناصر بعد النكسة، أو حرق صورة السادات وقت انتفاضة الخبز... كلها مشاهد لم تعرض في السينمات المصرية.
لكن ليس ذلك وحده، فتوزيع عرض الفيلم في الصالات وحده يقول رسالة ضمنية بأنه «متاح للعرض ولكن في أضيق الحدود». ربما تطورت أدوات الرقابة، فبدلاً من صنع أزمة وضجة بمنع الفيلم، ستجد أنّ الفيلم غائب عن العرض في غالبية صالات مصر. أما في الصالات التي عرض فيها، فستجده محصوراً في عرض أو اثنين من الأوقات «المقتولة جماهيرياً» أي في الثانية ظهراً أو الرابعة عصراً فقط.
قصصنا على الشاشة
عبر هذه المحطات المهمة في تاريخنا، نرى التغيير في الهوية البصرية والسمعية التي وثقت تحولات الذوق العام. انتقل المجتمع من عصر أم كلثوم الأنيق وصوت البيانو الكلاسيكي وارتباكه الفني، إلى عصر الموسيقى الصاخبة وأغنيات أحمد عدوية الشعبية مثل «مولد وصاحبه غايب». أغنيات جاءت لتعلن أن الفاتورة الحقيقية لكل ما جرى قد دفعت بالكامل في عصر الانفتاح الاقتصادي.
يتتبع الفيلم هذه التحولات من خلال تفاصيل دقيقة تمس يوميات الأسرة، مثل استشهاد الابن الأكبر المغرم بتعلّم الروسية على الجبهة في النكسة، ورحلة سفر أخيه التوأم للدراسة في النمسا لملاقاة عشيقته التي يراسلها في بريد إحدى المجلات والجرائد، والتبدل الرمزي في علم الجمهورية العربية المتحدة.
الفساد على الشاشة الكبيرة
في مشاهد الفيلم حيث التلفزيون مركز الأحداث، يأتي ظهور الأب، وهو موظف في وزارة الزراعة، على الشاشة الصغيرة كحدث مفصلي تتابعه كل الأسرة. لكن الرجل الذي يذهب إلى عمله اليومي بخطوات تشبه المارش العسكري، في دلالة بليغة، ينقطع بث التلفزيون أثناء ظهوره وهو يتحدث عن فساد السياسة. تظل الأسرة كلها في خوف مرتقب من الحساب. خوف يشبه أحداث قصة تشيخوف الشهيرة «موت موظف».
تظهر السياسة كقوة باطشة ومفسدة للحياة الخاصة، بينما تنخرط العائلة في أزماتها الحياتية الصغيرة من ارتباك العزف الموسيقي إلى خناقات الجيران التقليدية التي تعكس ضيق المساحات النفسية والجغرافية. بعد هذا المشهد المفصلي بسنوات، يعود الابن من النمسا بعد الفشل في دراسة الموسيقى.
وبعدها تعود حبيبته النمساوية وتنتهي قصة حبهما بالزواج. تكتب «إليزابيث» التي تقوم بدورها الفنانة النمساوية فاليري باشنر، يوميات تلك الأسرة، لتخرج بعدها في كتاب اسمه «أهلاً بكم في بيت المرح» وبسببه يستضيفها التلفزيون بعدما أصبح ملوناً. لكن في لحظة ارتباك أيضاً حين تتحدث عن الفساد الذي لم يمكّن زوجها العازف الموهوب من أن يعزف في حفلة، ينقطع البث مرة أخرى.
يُحسب للمخرج أبو بكر شوقي أنه حاول عبر مشاهد الفيلم تفادي الغرق في المباشرة السياسية الفجة من خلال الهروب الذكي إلى تفاصيل الحياة الداخلية الحميمة للأسرة، لكن السياسة، بمفارقة مأساوية، ظلت تطارده وتصيبه في مقتل من حيث أراد التخفي والهرب.
الكرة في خلفية المشهد!
في فيلم «القصص»، كرة القدم هي محرك درامي أساسي واستعارة وجودية بالغة الدلالة للحياة نفسها. العائلة تشجع فريق الزمالك بكل حماسة لكنه «قليل الفوز»، تماماً كما أحبّت البلد وشجّعته في كل معاركه. يقدم أبو بكر شوقي في «القصص» تجربة سينمائية مغايرة، تمزج بنعومة شديدة بين شجون الذاكرة الفردية وقسوة التاريخ العام وتقلباته.
مع ذلك، نحن أمام فيلم يثبت لنا بجدارة تفوقه الفني. يقول لنا في رسالة إنّنا في كثير من الأحيان ومهما حاولنا، لسنا الأبطال الحقيقيين لقصصنا، بل مجرد مشجعين مخلصين في مدرجات الحياة الواسعة، ننتظر بشغف وبكاء هدفاً صانعاً للفرح والخلاص، لكنه مع الأسف قد لا يأتي أبداً.

