اللاجئون الفلسطينيون بعد العدوان... أين «الأونروا»؟
يعيد غياب وكالة «الأونروا» عن ندوة اللاجئين الفلسطينيين طرح سؤال الحماية، في ظل أزمات متراكمة كشفها العدو الإسرائيلي


لم يكن عابراً غياب «الأونروا» ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني عن ندوة «أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في ظل العدوان الإسرائيلي على لبنان»، التي نظّمتها، أول من أمس، «مؤسسة العودة» الفلسطينية ومنظّمة «ثابت» لحق العودة و«الهيئة 302» للدفاع عن حقوق اللاجئين. فالمؤسستان المعنيتان مباشرة بملف اللاجئين لم تكونا حاضرتين للاستماع إلى النقاش. وبحسب منظّمي الندوة، لم تردّ «الأونروا» على الدعوات التي وُجهت إليها عبر الرسائل والاتصالات، فيما اعتذرت المديرة التنفيذية للجنة الحوار عن عدم الحضور بعد ساعات من انتهاء الندوة!
الندوة لم تُرِد، وفق مدير «مؤسسة العودة» ياسر علي، الاكتفاء بتوصيف معاناة اللاجئين في التعليم والصحة والعمل وتراجع الخدمات، وهي أزمات سبقت العدوان واستمرت خلاله وبعده، بل نقل مشكلات الميدان إلى المسؤولين اللبنانيين والفلسطينيين والمؤسسات الدولية والإنسانية، ووضع توصيات واقعية.
نزوح داخل بلد اللجوء
وقد كشف العدوان الإسرائيلي هشاشة إضافية في المخيمات. فالفلسطينيون الذين عاشوا حروباً متكررة وجدوا أنفسهم أمام نزوح جديد داخل بلد اللجوء. فقد استشهد في المخيمات منذ بدء معركة طوفان الأقصى عام 2023 نحو 280 فلسطينياً، العدد الأكبر منهم في مخيم البرج الشمالي.
وفي مخيمات صور، ولا سيما الرشيدية والبرج الشمالي والبص، لم تطاول الأضرار، بحسب مدير «ثابت» سامي حمود، المنازل فقط، بل مصادر رزق عائلات تعتمد على الزراعة والحرف، بعدما تعطّل وصول العمال إلى الحقول والبساتين. ومع القصف، نزحت عائلات فلسطينية ولبنانية إلى مخيمات صيدا والشمال ومناطق أكثر أماناً. ولامست نسبة النزوح من أحد المخيمات نحو 40 في المئة، في ظل ضعف استجابة «الأونروا» التي أغلقت عيادات وتوقّفت عن إزالة النفايات خلال الحرب، فضلاً عن التفاوت في توزيع المساعدات، إذ لم تحصل مخيمات صيدا مثلاً على الدعم المطلوب، علماً أن مخيم عين الحلوة وحده استقبل نحو 1800 نازح لبناني وفلسطيني.
كذلك حضر ملف فلسطينيّي سوريا بوصفه واحداً من أكثر ملفات اللجوء تعقيداً. وتحدّث المشاركون عن مشكلات في الإقامة والتعليم والمساعدات، وعن مخاوف من الانتقال أو الترحيل القسري. وأشار مشاركون إلى أن 88 في المئة من فلسطينيّي سوريا يرفضون «العودة الطوعية» إلى مخيمات مُدمّرة، في وقت يعجز فيه كثيرون عن تأمين قوت يومهم.
280 شهيداً فلسطينياً في المخيمات منذ «طوفان الأقصى» ونسبة النزوح في المخيمات لامست 40%
وانتقلت الانتقادات لـ«الأونروا» من ضعف الخدمات إلى السؤال عن دورها الأساسي في هذه المرحلة، إذ لا تقتصر أهمية الوكالة على تقديم الخدمات، بحسب المدير العام لـ«منظمة 302» علي هويدي، بل ترتبط بالبعد السياسي والقانوني لقضية اللاجئين، في ظل تحركات أميركية تستهدف تمويلها أو نقل مهامها إلى جهات بديلة. ولفت إلى أن عدد اللاجئين يُقدّر بـ 300 ألف، فيما تبلغ نسب البطالة 45 في المئة والفقر 80 في المئة. وانتقد غياب خطة واضحة للتعامل مع النازحين خلال العدوان، إلى جانب ضعف الشفافية والتنسيق مع المرجعيات الفلسطينية.
اللاجئ «قيمة مُضافة»
المدير العام لـ«مركز زيتونة للدراسات والاستشارات»، محسن صالح، دعا إلى تغيير المقاربة، بحيث لا يُنظر إلى اللاجئ باعتباره عبئاً، بل كـ«قيمة مُضافة». ورأى أن الحساسية السياسية المحيطة بالملف الفلسطيني في لبنان، إلى جانب إرث الحرب الأهلية والمُحاصصة والانغلاق الثقافي والسياسي، كلّ ذلك جعل الانتقال إلى حلول عملية أكثر تعقيداً. وشدّد على «أننا لا نحتاج إلى البدء من الصفر؛ فهناك تصورات ومقاربات سابقة، بينها خطوات تتصل بالعمل والضمان الاجتماعي وإدارة الملف الفلسطيني. والمطلوب هو الانتقال من الوثائق إلى التنفيذ، وتوفير التسهيلات القانونية، وإعادة بناء الثقة عبر حوار لبناني - فلسطيني جدّي».
ولم تُحصر المسؤولية بالجهات اللبنانية و«الأونروا» فقط، إذ وُجّهت انتقادات لأداء بعض اللجان الشعبية وصلت إلى اتهامها بممارسة الفساد أو تغطيته وإعاقة وصول الخدمات إلى أصحابها، ما يعزّز الحاجة إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.
الإعلام والتمثيل
خلال الحرب، لعب الإعلام الفلسطيني دوراً في نقل مشكلات المخيمات والمبادرات الداعمة للنازحين والأطفال، لكنه واجه في المقابل قيوداً على الوصول إلى المخيمات.
وتبرز المادة 63 من قانون الإعلام اللبناني كنموذج للتحدّيات التي تواجه الإعلاميين الفلسطينيين، إذ تشترط أن يكون المسؤول عن الموقع الإلكتروني إعلامياً يحمل الجنسية اللبنانية. واعتبر الإعلامي أحمد الحاج أن هذا الشرط يضع الإعلامي الفلسطيني أمام جدار مسدود، ويحرم أحياناً صاحب المنصة أو مؤسسها من أن يكون مسؤولاً عنها قانوناً. وأشار إلى أن هذه المواقع تصل إلى نحو 70 في المئة من اللاجئين، ولا تقتصر وظيفتها على نقل الأخبار بل تربط المخيمات وتنقل واقعها وتخلق وعياً جماعياً يتجاوز الحواجز المحلية.
وفي نهاية النقاش، انتقل السؤال من توصيف الواقع إلى ما بعده: ماذا نفعل بعد أن نوثّق؟
الدراسات والأرقام ضرورية، لكنّ المطلوب تحويلها إلى أدوات ضغط ومُساءلة وحماية. ومن هنا برزت الدعوة إلى «التفكير خارج الصندوق»، وعدم انتظار المؤسسات الرسمية وحدها، وتفعيل المجتمع الأهلي في التوثيق وإنتاج البيانات والمبادرات، مع أمثلة مثل صندوق القروض الأهلية لدعم طلاب الجامعات.
كما طُرحت الحاجة إلى حوار مباشر بين الدولة اللبنانية والجهات الفلسطينية، وألّا يتحوّل ملف المخيمات من قضية اجتماعية وإنسانية وحقوقية إلى مقاربة أمنية وسياسية. فاللاجئ ليس رقماً ولا مجرّد «أجنبي»، بل إنسان له حقوق وكرامة. ومن هنا جاءت الخلاصة الأبرز بضرورة «مراكمة الحراك»، فالمشكلة لم تعد في غياب المعرفة بالواقع، بل في كيفية تحويل هذه المعرفة إلى فعل، من التوثيق إلى الضغط ومن المبادرات إلى السياسات ومن المطالبة إلى حماية فعلية للفلسطينيين.
