وزارة الصحة: فعّالية «الساعة الذهبية للسيغار» تخالف القانون 174 | وزيرا السياحة والإعلام يروّجان لتدخين السيغار

الدولة التي شرّعت القانون الرقم 174 للحدّ من التدخين، ومنعت بموجبه الإعلان والترويج لمُنتجات التبغ، هي نفسها أبرزت أنيابها لترويج تدخين السيغار ضمن فعّالية «الساعة الذهبية للسيغار»، فيما تولّت وكالتها الرسمية نشر موعدها ومكانها.

زينب بزي
زينب بزي
الجمعة 28 آب 2026
(أرشيف-الأخبار)
(أرشيف-الأخبار)
الخط


الدولة التي شرّعت القانون الرقم 174 للحدّ من التدخين، ومنعت بموجبه الإعلان والترويج لمُنتجات التبغ، هي نفسها أبرزت أنيابها لترويج تدخين السيغار ضمن فعّالية «الساعة الذهبية للسيغار»، فيما تولّت وكالتها الرسمية نشر موعدها ومكانها. ليست المسألة هنا اجتهاداً في تفسير القانون أو سؤالاً عن الحدود الفاصلة بين الإعلان والتغطية الإعلامية، إذ إن مصادر معنية في وزارة الصحة أكّدت لـ«الأخبار» أن الدعاية الخاصة بهذه الفعّالية، وبالشكل الذي نُشرت فيه، تشكّل مخالفة واضحة وصريحة للقانون.

مع ذلك، أقيمت النسخة الرابعة من «الساعة الذهبية للسيغار» في أحد المطاعم في كازينو لبنان، تحت «الرعاية السامية» لوزيرة السياحة لورا الخازن لحود، بحسب الإعلان الذي يحمل شعار الوزارة نفسها، فيما نشرت مفكّرة الوكالة الوطنية للإعلام، التابعة لوزارة الإعلام، موعد النشاط ومكانه، وقدّمته باعتباره فعّالية تقام «بدعوة من شبكة الفخامة ووزير الإعلام المحامي بول مرقص، وبرعاية وزيرة السياحة لورا الخازن لحود». كل ذلك يجري بحضور الدولة وبرعايتها.

لو كانت المسألة مجرد أشخاص مقتدرين اختاروا أن يدفعوا ثمن سيغار فاخر وعشاء، لكانت القصّة تتعلق بأسس توزيع الثروة في لبنان وهو نقاش قائم يتعلق بالنظام الضريبي وبالتنمية وبالعدالة الاجتماعية، لكنّ السلطة، في هذه الفعّالية، لم تقف على الحياد، بل انتقلت، بكل فخر، إلى منح غطاء رسمي لفعّالية مخصّصة لمُنتَج تبغي، رغم أن القانون يحظر ترويجاً كهذا. يحدث كل ذلك في بلد يعيش حرباً وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ويواجه فيه نحو واحد من كل أربعة أشخاص مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يبلغ الحد الأدنى للأجور 28 مليون ليرة شهرياً. وسط هذا الواقع، وجدت الدولة اللبنانية ما يستحق رعايتها الكريمة، متناسية كل الأسى الذي يحصل في مناطق أخرى من البلاد.

والحال أن الفعّالية لا تُقدّم أصلاً كعشاء عادي يتخلّله تدخين السيغار، حتى يكون ممكناً فصلها عن أحكام الإعلان والترويج. فاسم المناسبة نفسه «فعّالية السيجار»، وتظهر في المواد الدعائية صورة أحد أبرز الأسماء العالمية في صناعة السيغار وهو يحمل المُنتَج، إلى جانب اسمه والشعار التجاري لعلامته. أي إن السيغار ليس تفصيلاً جانبياً في المناسبة، بل هو محور المناسبة نفسها. وهنا يصبح الرجوع إلى القانون الرقم 174/2011 ضرورياً.

فالقانون لا يحظر فقط إعلاناً تجارياً تقليدياً، بل يعرّف الإعلان والترويج للتبغ بصورة واسعة تشمل أي تواصل أو توصية أو نشاط تجاري يهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الترويج لمُنتَج تبغي أو لاستخدام التبغ. وتنص المادة 9 على حظر مختلف أنواع الإعلانات والعناصر الترويجية لمُنتجات التبغ وعلاماتها وشعاراتها، فيما تحظر المادة 11 نشر أو بثّ، مجاناً أو لقاء عوض، عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة والإلكترونية، أي دعاية أو إعلان أو برنامج أو مقالة يمكن اعتبارها إعلاناً أو دعاية لأيّ من مُنتجات التبغ. أمّا المادة 12 فتحظر الرعاية للأعمال الثقافية أو الرياضية أو التجارية.

لبنان يحرق سنوياً في استهلاك السيغار أكثر من 5 ملايين دولار


بهذا المعنى، لا يعود السؤال عن مدى مُلاءمة أن ترعى وزارة السياحة حفلة سيغار فحسب، بل عن كيفية مشاركة الدولة نفسها، برعاية وزارية ونشر رسمي، في الترويج لفعّالية ممنوع الترويج لها بنص قانوني واضح وصريح ولا لبس فيه. كما أنّ الرئيسة التنفيذية لشبكة «الفخامة» في لبنان، كارين البستاني تعبّر عن فخرها الكبير بالفعّالية، وتتحدّث عن طموح بأن تتطوّر مستقبلاً لتصبح «مهرجاناً».

لكن حتى لو حاولنا وضع المخالفة القانونية جانباً، يبقى السؤال عن الأولويات التي تختار الدولة أن تقرن اسمها بها. فلبنان الذي تقام فيه هذه الفعّالية «الفريدة» ليس بلداً يعيش مرحلة رخاء. بحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، الذي شاركت فيه وزارة الزراعة إلى جانب منظّمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 1.24 مليون شخص، أي 24% من السكان المشمولين بالتحليل، انعداماً حاداً في الأمن الغذائي بين نيسان وآب 2026، بزيادة بنحو 30% عن التقديرات السابقة للفترة نفسها. أمّا الحد الأدنى الرسمي للأجور، فيقف عند 28 مليون ليرة شهرياً.

فوق الأزمة الاجتماعية، هناك حرب لم تنتهِ بعد، خلّفت خسائر بمليارات الدولارات، وأفقدت آلاف الأسر مصادر رزقها، فيما تواصل تداعياتها مفاقمة الاحتياجات الإنسانية. وفي البلد نفسه، ثمة سوق أخرى تتحرّك في اتجاه معاكس تماماً. بحسب بيانات الجمارك اللبنانية، استورد لبنان خلال عام 2025 نحو 40.65 طناً من المُنتجات الواقعة ضمن البند الجمركي الذي يشمل السيغار والسيغاريلو، بقيمة قاربت 5.38 ملايين دولار. وخلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 وحدها، بلغت هذه المستوردات نحو 30 طناً بقيمة 3.75 ملايين دولار. أي إنّ ما استورده لبنان خلال ستة أشهر فقط بات يوازي نحو ثلاثة أرباع الكمية المستوردة طوال العام السابق. وإذا استمرت وتيرة النصف الأول نفسها، فقد تقترب المستوردات حسابياً في نهاية السنة من 60 طناً بقيمة 7.5 ملايين دولار.

ولا تكمن المشكلة في أن اللبنانيين يستوردون السيغار. هذه سلعة قانونية. لكن يمكن القول إن ملايين الدولارات نزفت من بلد يعتمد على تدفّقات العملة الأجنبية إليه لتمويل استيراد سلعة استهلاكية كمالية غير إنتاجية لا تدخل في صناعة محلية ولا ترفع القدرة التصديرية، بل تُستهلك وتنتهي، وفي حالة السيغار تحديداً، تُحرق حرفياً. وهنا تحديداً يصبح دور الدولة هو القضية، لا خيار المستهلك. شيء أن تسمح الدولة باستيراد السيغار وبيعه واستهلاكه ضمن القانون، وشيء آخر تماماً أن تضع وزارة شعارها على فعّالية مخصّصة للاحتفاء به، وأن يرد اسم وزير آخر في الدعوة إليها، وأن تنشر الوكالة الرسمية موعدها.

ولا يعني الاعتراض على ذلك أن المطلوب إطفاء أنوار المطاعم وإلغاء الحفلات حتى تنتهي الحرب، أو أن السياحة الفاخرة بحدّ ذاتها جريمة. لبنان يحتاج إلى السياحة وإلى الإنفاق وإلى أي نشاط اقتصادي قادر على إدخال الأموال إلى البلد. المشكلة أن الدولة اختارت أن ترعى فعّالية مخصّصة للترويج لمُنتَج يحظر القانون الترويج له أساساً، وفي توقيت يطرح وحده سؤالاً عن جدّية هذه الأولويات ومعناها.

ففي بلد يواجه فيه ربع السكان تقريباً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، ولا يزال كثر يعانون تداعيات النزوح والحرب، فيما تبقى قرى تحت الاحتلال الإسرائيلي وأخرى تحت وطأة الاعتداءات اليومية، ويقف الحد الأدنى للأجور عند 28 مليون ليرة، تبدو الأولويات الرسمية منفصلة عن البلد الذي يُفترض أن تعبّر عنه. وفوق كل ذلك، هناك قانون يحمل الرقم 174، قانون وضعته الدولة، ثم خرقته الدولة نفسها. ليس الترويج لاستهلاك السيغار مجرّد فعالية مُستفِزّة في توقيتها، بل يعبّر عن دولة فقدت البوصلة إلى حدّ يصعب معه التمييز بين سوء الأولويات والعبث.