على بالي

لوالد صديقي نظريّة مفادُها: أنّ الحرب في لبنان لم ولا تنتهي رسميّاً إلّا عندما يُعاد إنشاء فندق «هوليدي إن» وتأهيله. ويمكن أن نضيفَ أنّه لن تقوم للبنان، كوطن، قائمةٌ قبل أن يصل بنوه إلى اتّفاق على كتابة تاريخ لبنان.
ومشروع كتابة تاريخ لبنان بدأ انفصاليّاً، بمعنى أنّ المُراد كان أن يُفصل تاريخه (بصورة غير علميّة أو منطقيّة) عن محيطه العربي الذي كان هو جزءاً لا يتجزّأ منه.
حتى فيليب حتّي كتب تاريخ لبنان كجزء من تاريخ سوريا، لكنّه عادَ وكتب تاريخاً منفصِلاً للبنان (تحت إلحاح سلطات الزمن الجميل على الأرجح) لكنّه أوضحَ أنّه لا يعني أنّه يؤمن بتاريخيّة كيان منفصل اسمه لبنان.
وكتاب كمال الصليبي عن «تاريخ لبنان الحديث» كان بإيعاز من الصهيوني برنارد لويس الذي أراد تغذية التأريخيّة الانفصاليّة اللّبنانية في زمن القوميّة العربيّة الناصريّة (وكان الصليبي في حينه في أوج انعزاليّته التي عادَ ونبذها بعد اندلاع الحرب الأهليّة متأثِّراً بصديقه أسامة الخالدي). وهناك كتاب عادل إسماعيل «أزمة الفكر اللّبناني في كتابة تاريخ لبنان وفي توثيقه».
وإسماعيل (مع أخيه منير) كانَ من أوائل المؤرّخين المسلمين الذين «قبضوا» كيانيّة لبنان على محمل الجدّ وتفرّغ لتاريخ لبنان وتجميع وثائقه بعد أن أنهى أطروحة الدكتوراه في السوربون (وعمل سفيراً ثم مديراً في وزارة الخارجية اللّبنانيّة).
في الكتاب المذكور، الذي لم ينل حقّه أبداً من الاهتمام، يحكي إسماعيل قصّته: كيف أنّ الكنيسة انزعجت من عمله التوثيقي لأنّ العمل على كتابة تاريخ لبنان والبحث في وثائقه على يد مُسلم كان مستهجَناً ومرفوضاً. ضغطت القوى الانعزاليّة والميلشيات على الحُكم وعلى مديريّة الآثار، ووصل الأمل (أو الشكوى) إلى رئيس الجمهوريّة، سليمان فرنجيّة، الذي ساند إسماعيل لِما عُرف عنه (أي إسماعيل) من التزام بالكيانية اللّبنانيّة. لكنّ الطائفيّة التي صاحبت عمله المضني عبر السنوات كشفت له عن وجوه طائفيّة قبيحة أرادت أن تفرض رقابة صارمة لحماية الكنيسة وقادة المسيحيّين من حقائق وملاحظات وردت في تقارير السفارات والقنصليّات.
