على بالي

يجب أن تكون خطبة ماركو روبيو (الذي يحمل نحو أربع قبّعات في مسؤوليّاته في الإدارة الحاليّة) في ميونيخ في المؤتمر الأمني قراءةً مُقرّرةً في المدارسِ العربيّة، وأن تُترجم بكاملها في الصحافة. ليس هناك مِن أساس لفهم السياسة الغربيّة-الغربيّة وليس الأميركيّة فقط-مثل هذه الخطبة الصريحة والصادمة.
هذا ليس ترامب يتحدّث كي نُهمل أخْذَها على محمل الجدّ. هذه عصارة الفكر الغربي السائد والذي يولّد في كلّ دولة أوروبيّة حزباً عنصريّاً صهيونيّاً جديداً، وهذا الفكر أتى بترامب رئيساً وليس العكس. الخطاب لقي صدى حسناً عند الأوروبيّين الذين وقفوا تأييداً له مصفّقين. هو يريد عودة اللُّحمة بين القارتَين على أساس الفكر الاستعماري العنصري وعلى أساس عقيدة تفوّق البِيض على غيرهم.
لم يُوارِبْ روبيو ولم يداهن. قالها بصراحة: أثنى على المُستعمِرين الأوروبيّين الذين «استوطنوا قارات جديدة وبنَوا إمبراطوريات شاسعة حول العالم». الوحدة بين أميركا وأوروبا ستكون على أسس محاربة انحدار الغرب، وإحياء السيطرة الغربيّة الاستعماريّة. مَن يتصوّر في القرن الحادي والعشرين أنّ وزير الخارجيّة الأميركيّة، وأمام جَمْع مُصفِّق، يدينُ حركات التحرّر من الاستعمار ويصفها بـ»الثورات الشيوعية الملحدة والانتفاضات المعادية للاستعمار»؟
والرجل المُتحدِّر من أصل كوبي يعلن انتماءه للأوروبيّين البِيض الإسبان، نائياً بنفسه عن شعوب الجنوب. هو خطاب «انتقام الرجل الأبيض» ضدّ عقود من صعود الملوّنين والثوّار والمتحرّرين. وفي سرديّته للتاريخ الأميركي، يعلن أنّ ما يجمع الغرب هو الاستعمار والعقيدة المسيحيّة (كما يفهما اليمين العنصري) وفكرة تفوّق العِرق الأبيض.
وذكر في التاريخ الأميركي، الإيطاليّين والبريطانيّين والألمان والهولنديّين والإسبان. ليس هناك من وجود للسود في كتاب تاريخ روبيو. المُستعبَدون السابقون تطفّلوا على القارة كأنّهم أتَوا إلى البلاد طوعاً واختياراً.
روبيو يدعو إلى انتفاضة ضدّ الفكر اللّيبرالي (السطحي) الذي نطق بكلام عام على الاستعمار والمُستعمِرين. (لا تزال فرنسا ترفض الاعتذار عن تاريخها الاستعماري المُشين). وكما لاحظ الصحافي الذكي، بن نورتن، روبيو يريد جعْل الافتخار بتاريخ الغرب العنصري والاستعماري ركناً من أركان الفكر الغربي السائد وصمغاً للتحالف بين أميركا والغرب.
