على بالي

مرّةً، بعد انتهاء أوّل ولاية لنجيب ميقاتي كرئيس للوزراء، دخلتُ إلى مكتب جوزيف سماحة في «السفير» وقلتُ له (وكان ميقاتي قد كتبَ افتتاحيّة متزامنة في كلّ صُحف لبنان عن حبّه العميق للبنان): أوَ تدري ما هو أبشع من التعبيرات المارونيّة عن القوميّة اللّبنانيّة؟ أجابني على الفور (بعد أن فهمَ مُرادي): التعبيرات الإسلاميّة.
في لبنان، هناك استبطانان مِن العُقد النفسيّة الطائفيّة الكامنة: عُقدة تقليد عقليّة الرجل الغربي الأبيض واستبطانها عند الكثير من المسيحيّين الذين يريدون أن يكونوا بِيضاً للشعور بزهو التفوّق العِرقي. وهناك عُقدة تقليد المسيحيّين عند بعض المسلمين الذين يريدون أن يستبطنوا شخصيّة المسيحيّ كي يتقرّبوا إلى الغرب. هي تفسّر لماذا يقصد بعض المسلمين مار شربل وليس الإمام الأوزاعي.
لأنّهم اعتنقوا عقيدة تفوّق المسيحيّين وعقيدة تفوّق الغربيّين. نواف سلام يعاني من هذه العُقدة. هو يريد أن يكون أوّل رئيس وزراء مسلم يجلس مع إسرائيليّين.
يريد أن يُثبت للرجل الأبيض أنّه كفؤ وأنّه مقبول وحَسَن السلوك، بتعريف الرجل الصهيوني الأبيض. كيف تفسّر استجداءه اليومي الجلوسَ مع الإسرائيليّين («الأمس قبل اليوم»، على حدّ تعبيره) فيما هو يقاطع ممثّلي أكبر حزب لبناني ويرفض التفاوض معهم. هو يريد أن يكون الكتائبيّ المُسلم.
هو حاول أداء هذا الدور في ١٩٨٢-٨٣، كما كان إدوار سعيد يذكّرني دائماً عنه. وهناك صفات في شخصه تجعل منه سياسيّاً سيّئاً: متعثّر النطق وعصبيّ ونزق ويتلهّى بالصغائر وينبذ المُستشارين (إدوار غبين كان يرى الاستعانة بالمستشارين دليل كبَر وليس ذلّة عند رجال الدولة، ما أبعد نواف عن هذه الصِّفة).
إسرائيل تدمّر وتقتل كلّ يوم، وهو بدلاً من إصدار الإدانة اليوميّة، التي أعلن نفوره منه من قبل، يكرّرُ لازمة يوميّة عن حماسه للتفاوض المباشر مع الإسرائيليّين. طبعاً، نواف يفعل ذلك باسم السيادة وباسم حصريّة السلاح: ١) البلد صغير والكلّ يعلم أنّه يتلقّى الأوامر من موظّف في مكتب مستشار بصفة وزير في الرياض. ٢) هو طالب بنزْع السلاح لأنّ «الجيش يحمي الجميع». لكنّ الجيش انسحب. يعني نواف خدع أهل الجنوب وأضرّ بهم.
