على بالي

لا أذكرُ أنّه كان هناك سابِقةٌ للمجاهَرة بالصهينة في لبنان كما هو جارٍ اليوم. عوَّلَ النصف الآخر في لبنان (أو أكثر، صراحة) على نصرٍ إسرائيليٍّ ساحق ضدّ كلّ أعدائه في المنطقة.
تبخّرت جُملُ العداء السطحي لإسرائيل من باب رفْع العتب: ١٤ آذار أدرجت تقليدَ هجاء المقاومة لكنْ بعد جُملة استهلاليّة عابرة عن أنّ «إسرائيل عدوّ». بعد مقتَل نصرالله وكسْر شوكة المقاومة في ٢٠٢٤، انطلقت الحناجر للدعوة بنصرِ إسرائيل الكلّي. حتى «أبو أرز» انطلق في التغريد والتحليل.
البطريركيّة المارونيّة رفعت الحُرْم، منذ أن زار البطريرك الراعي تلك الزيارة المشبوهة والمشؤومة لفلسطين المحتلّة تحت حُجج واهية لم تنطلِ على الرعيّة.
أزعمُ أنّ هذا القِسم من لبنان كان متعاطفاً مع إسرائيل في سنوات السيطرة السوريّة لكنّ حافظ الأسد أخافهم. حتى جوزيف أبو خليل وصحْبه من الانعزاليّين كانوا يندِّدون بإسرائيل ويتلُون فِعل الندامة عن مرحلة التحالف معهم.
لكن بمجرّد أن انسحب الجيش السوري من لبنان، تغيّرت المواقف بسرعة مِن قِبل هؤلاء الشجعان. أضفْ إلى ذلك عناصر «تغييريّة» رُوّج لها في الشاشات اللّبنانيّة المشبوهة (المدفوعة مِن قِبل الخليج ودوائر صهيونيّة في الغرب) ودخلت المجلس النيابي بأجندة وحيدة: خِدمة أغراض إسرائيل والتركيز على تقويض سُمعة مقاومات إسرائيل وشعبيّتها (المقاومات).
نتكلّم على دُعاة ديموقراطيّة لم يجرؤوا على إدانة ديكتاتوريّة عربيّة واحدة غير نظام بشّار الأسد. الصهيونيّة لم تكن يوماً صنواً لليهوديّة: الصهيونيّة المسيحيّة سبقت في بريطانيا الصهيونيّة اليهوديّة.
وهناك صهيونيّة مسلمة لكن هذه لم تنطق يوماً إلّا بأجر (مثل هؤلاء السياسيّين اللّبنانيّين المفضوحين في وثائق إسرائيل في كتاب «المتاهة اللّبنانيّة» الذي يجب أن يصبح رُكناً في المنهج المقرّر).
أن يخرج إعلاميٌّ معروف كأفسد إعلامي في تاريخ الجمهوريّة بالدعوة إلى السلام مع إسرائيل، فيما هي تمارس سياسية تطهير طائفي في الجنوب، يعني أنّ الرجل الذي بيعَ واشتُريَ مرّات ومرّات مِن قَبل، رأى أنّ الفرصة سانحة كي تخرج أجندة الصهينة الصحناويّة (والرجل كان له أصدقاء وحلفاء في ٨ و ١٤ آذار) إلى العلن.
