على بالي

ما تزال جثثُ الجنوبيّين مكوّمةً وما يزال بعض الجنوبيّين تحت الأنقاض. وهناك مَن يضحّي بكلّ ما يملك من أجل صدّ عدوان إسرائيل واحتلالها. قالوا لهم: اتركوا سلاحكم (أو نحن سننزعه منكم) لأنّ الجيش سيحميكم.
تبيّنَ أنّه لم يكن هناك يوماً خطّة من النظام للدفع بالجيش كي يحمي الجنوبيّين. النقاش في الأسابيع الماضية تركّزَ حول القرى المسيحيّة (التي وجّه رئيس الجمهورية لها تحيّة «خاصّة»). أهل الجنوب ما وثقوا بالدولة يوماً لأنّها خذلتهم منذ الاستقلال. في طفولتي كنتُ لا أزال أسمع عن وصول الكهرباء والهاتف إلى قرى ومدن في الجنوب.
كان الاتّصال بصور في طفولتي يمرُّ عبر السنترال وكنتَ تحتاج إلى مكبّر صوت كي يسمعك الأقارب على الطرف الآخر. كان ذلك في زمن كانت الشهابيّة الحداثويّة تجعل من كسروان عالَماً أوّلَ ما تزال معالمه ظاهرة.
قرّرت السلطة بعد ساعات من يوم الأربعاء الأسود البدء بالمفاوضات كي تبعث برسالة مفادها: الجنوب (باستثناء القرى المسيحيّة التي ترعاها الفاتيكان والمسيحيّة الصهيونيّة في الغرب) ليس جزءاً من لبنان، ومصيرُه لا يؤثّر على مسار السلام والتطبيع مع إسرائيل.
هذه المفاوضات سابقة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي لأنّ الطرف العربي باشر بها قبل أن تسكت مدافع العدوّ وقبل أن تنسحب قوّاته من أراضي الدولة التي اقترحت التفاوض. السفير الإسرائيلي كان صريحاً: قال إنّ دولته اكتشفت أنّ كلَينا نسعى للهدف نفسه: تحرير لبنان من الحزب.
أي إنّ الدولة تعدّ احتلال إسرائيل شرعيّاً وسياديّاً فيما ترى أنّ أيّ جنوبي يقاوم العدوان، بالرغم من تنصّل الجيش وقوى الأمن، هو خارج عن الشرعيّة.
إنّهم يستميتون في الدفاع عن أراضيهم ثأراً لخامنئي لكنّ أحداً لا يفسّر لماذا كان هؤلاء يقاتلون في الجنوب ولماذا كان أهلهم يقاتلون في الجنوب في صفّ منظّمة التحرير. هل أنّ الجنوبي مصاب بعقدة حُبّ الآخر على حساب نفسه؟ كلّ هذه النظريّات لا هدف لها إلّا ترسيخ الفكرة العنصريّة التي شغلت بشارة الخوري، الأب المؤسّس للجمهوريّة الرثّة: كيف نتخلّص «نحن» وإسرائيل معاً من جبل عامل؟
