على بالي

مها أبو خليل فارقت الحياة تحت أنقاض مبنى سكني في مدينة صور. السلطة العفنة لم تعزِّ: كانت السلطة ترسل التحيّات إلى حلفاء إسرائيل لتهنئتهم على وقْف للنار كانوا قد عارضوه. العدو الوحشي دمَّرَ خمسة مبانٍ سكنيّة في صور، طاحناً كلّ ساكنيها المدنيّين.
مها أبو خليل لم تكن معروفة من الأجيال الجديدة وهي لا تُعطي مقابلات ولا تتحدّث عن ماضيها النضالي. في أواخر الستينيّات اشتهرت عندما حاولت مع رفاق لها في «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين» خطْف طائرة إسرائيليّة. انضمّت مبكِّراً للجبهة الشعبيّة وناضلت في صفوفها والتحقت بجناح وديع حدّاد بعد الانشقاق الشهير.
قامت بأعمال كثيرة في العالم، فلا أنا ولا غيري نعلم طبيعة عملها. عندما التقينا قبل سنة، حضَضْتها على كتابة مذكّراتها لكنّها لم تهتم. هناك موانع كثيرة للتمنّع عن كتابة المذكّرات من قِبل المناضلين المخضرمين، ومن هذه الأسباب أحياناً الضغوطات العائليّة أو الحرص على حياة الأولاد والأحفاد.
(هناك مذكّرات مكتوبة لكن غير منشورة للكثير من المناضلين ومنها واحدة لنبيل العلم). مها أبو خليل انتمت لذلك الصنف من اللّبنانيّين، وبخاصّة في صور، الذين تماهوا في الهويّة مع الشعب الفلسطيني. تقاعدت من النِّضال ومارست العمل التنموي في «مؤسّسات الإمام الصدر». تقاعدت قبل سنة أو سنتَين.
كانت قريبة جدّاً من وديع حدّاد وكانت صبورة جدّاً في الردّ على أسئلتي الكثيرة عن التجربة وعن انتقاداتي. لماذا تبخّر صنف هؤلاء اللّبنانيّين الذين بذلوا النفيس من أجل تحرير فلسطين (حتى لو اختلفتَ مع خياراتهم التكتيكيّة)؟
نوّاف سلام وغيره من متقاعدي الحركة الوطنيّة يكرّرون تلك اللّازمة لرجل أثرى من منظّمة التحرير وليبيا عندما قال إنّه ورفاقه أخطأوا في تحميل لبنان الصغير أعباء القضيّة الفلسطينيّة.
كأنّ هؤلاء بسلوكهم وممارساتهم لم يحمّلوا القضيّة أعباءً وأعباء. كانت القضيّة محبوبة عندما كانت الدولارات وفيرة من التمويل الخليجي والتقدمي لمنظّمة التحرير، ثم هجر القضيّة المستفيدون والاستعراضيّون والمتلوّنون والانتهازيّون. مها أبو خليل لم تهجر القضيّة ولم تكن مفارَقةً أنّ العدوّ الإسرائيلي قتلها بعد كلّ هذه السنوات، كأنّه يثأر.
