على بالي

فكرةُ العودة إلى ما قَبل الطائف على يد رئيس الجمهوريّة فكرة طائشة وتحتمل في طيّاتها مكامن تفجير اجتماعي وسياسي. والافتراض أنّ استعانة الرئيس برئيس حكومة ضعيف («الطرطور» في لغة ما قبل الحرب) يستطيع أن يضمن الاستقرار ومنْع التفجّر الطائفي والسياسي جُرّبَ من قَبل من قِبل كميل شمعون الذي استعان بسامي الصلح. لم يستطع سامي الصلح أن يمنع انتفاضة المسلمين واليساريّين والقوميّين العرب في ١٩٥٨، لا بل إنّ استعماله من قِبل شمعون أسهم في ترسيخ معارضة الحُكم.
صحيح أنّ السُّنة في لبنان ليسوا اليوم أبداً في مسار قومي عربي معارض للنظام السعودي، كما كان الأمر عليه في الخمسينيّات والستينيّات، لكن مسارَ رئيس الجمهورية هو مسار القوات (لكن بتضادّ مع قيادتها). يستطيع سلام أن يساند رئيس الجمهوريّة لكنّ أهواء الشارع تتغيّر بسرعة وبخاصّة أنّنا نشهد وحشيّة إسرائيل كما شهدها أهالي الجنوب في ١٩٨٢ و١٩٨٣ بعد أن كان بعضُهم قد عوَّلَ على الاجتياح لتخلصيهم من سطوة منظّمة التحرير.
إنّ موضوع السلام مع إسرائيل كان وما يزال من أكثر المواضيع الخلافية، وعون يظنّ، كما ظنّ أمين الجميّل قبله، أنّ حلف الـ «ناتو» ودول الخليج تستطيع أن تفرض اتّفاقاً على الشعب اللّبناني حتى بوجود معارضة قويّة.
كان زعماء السُّنة التقليديّون والشيعة التقليديّون ورجال الدين الشيعة التقليديّون (محمد مهدي شمس الدين وعبد الأمير قبلان) موافقين على مسار حُكم أمين الجميّل، لكنّ المسار نفسه ولّدَ تيّارات وأحزاباً وشخصيّات جديدة قطعت مع الماضي وخلقت ثقافة سياسيّة جديدة رافضة لوجود إسرائيل بحدّ ذاته.
ليس في الدستور اللّبناني ما يجيز إجراء استفتاءات شعبيّة وإرادة الشعب تتمثّل في البرلمان، لكنّ موضوع السلام مع إسرائيل يستحقّ إجراء استفتاء عليه (مواد الدستور لا تمنع صراحة جواز إجراء استفتاءات) لأن استثناء طائفة (على الأقل) من الإجماع المُفترض يتناقض مع فكرة الإجماع في نظام سياسي طائفي رثّ. مِن المُحتّم أنّ العدوان الإسرائيلي سيرسّخ معاداة الصهيونيّة عند أهل الجنوب، وبناء عليه سيكون هناك رفْض قويّ لمسار جوزيف عون (وصديقه ترامب).
