على بالي

لم يكن إطلاقُ مسارِ السلام مع إسرائيل، في الوقت الذي كان العدوان الإسرائيلي على لبنان في أوجّه، يحتاجُ إلى أكثر من اتّصال من مسؤول أميركي في كانون الثاني الماضي مع جوزيف عون. طلع عون يومذاك بفكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، والتي-للمرّة الأولى في تاريخ صراعنا مع العدو-لم تكن إسرائيل تطلبه.
إسرائيل، كما قال لي عبدالله أبو حبيب: لم تعُد تكترث للسلام مع العرب. هي أدركت أنّ العرب (خارج لبنان) يكرهونها وهي تبادلهم الكراهية بكراهية أكبر (دينيّة وعنصريّة وقوميّة) وتريد أن تفرض سطْوتها وهيمنتها على المنطقة بالقوّة المفرطة لأنّ عقيدة الصهيونيّة منذ التأسيس لم تختلف عن عقيدة الاستعمار الغربي: إنّ هؤلاء السكان الأصليّين لا يفهمون إلّا لغة القوّة، وكلّما أفرطنا في القوة ولّدنا طاعة وانصياعاً واستسلاماً.
لكنّ الصراع دام لأكثر من قرن، والعقيدة أثبتت فشلها. عون يريد أن يطبّعَ (عبر إلغاء قوانين المقاطعة والتواصل-يعني التجسّس لصالح إسرائيل سيصبح مُقنّناً ومشروعاً؟-) مع العدوّ قبل تحقيق السلام وهذا دَيدن نواف سلام. هذا يعني أنّ عقوداً مِن السلام بين الأردن وإسرائيل وبين مصر وإسرائيل فشلت في تحقيق تطبيع، لكنّ الثنائي عون وسلام يعِدان أميركا وإسرائيل بتحقيق التطبيع حتى قبل توقيع اتّفاقية سلام كي يعمّ التجسّس والتعامل مع إسرائيل بين اللّبنانيّين.
ورضى الراعي الأميركي حصل عليه أمين الجميل الذي عقد غير لقاء مع رونالد ريغان، لكن بحلول ١٩٨٤ كان المسؤولون الأميركيون في واشنطن يُطلقون وصْف «ترافولتا» على الجميّل.
كلّ أداة أميركيّة في بلادنا تحلم بأن تكون محظيّة أكثر من غيرها، وكلّ مسؤول يحاول أن يلبّي شروط أميركا ومطالبها أكثر من غيره، لكنْ هناك تضاد: بين مطالب أميركا (وهي مطالب إسرائيلية) ومزاج الشعب العربي في الدول العربيّة. القمْع طبعاً يستطيع أن يفرض اتّفاقيات سلام: أي إنّ الديموقراطية اللّبنانيّة (وهي وحيدة في المنطقة اليوم) باتت مهدّدة وبخاصّة أنّ مدير مؤسّسة واشنطن (الذراع الفكري للّوبي الإسرائيلي) طالب بفرْض عقوبات على كلّ نائب يعارض السلام مع إسرائيل.
