على بالي

بين الحلْقة الأولى والثانية من «شهادته على العصر» غيّرَ وليد جنبلاط رأيه في عبد الناصر. في الأولى، تحدّث بإعجاب وشيء من الحنين، وفي الثانية قال إنّه اكتشف لاحقاً أنّ النظام الناصري استخدم التعذيب والقمع. وعندما نتحدّث عن قمع النظام الناصري، هل نكون نقارنه بأنظمة معاصرة له؟
هل كانت الأنظمة العربيّة الرجعيّة المناوئة له ديموقراطيّة أو رحيمة مثلاً؟ هل كان النظام الناصري أقسى من النظام السعودي، الأمس أو اليوم؟ ولماذا لم يكتشف جنبلاط بعد طبيعة النظام السعودي؟
ثم القول إنّ النظام الناصري ابتدع التعذيب منافٍ للحقيقة. التعذيب على مستوى شامل كان من نِتاج الاستعمار الغربي: فرنسا في المغرب وبريطانيا وفرنسا في المشرق وإيطاليا في ليبيا. لم تتورّع بريطانيا عن جلْب الأسلحة الكيميائية إلى العراق. كتب هادي العلوي عن تاريخ التعذيب في الإسلام (والعنوان غير علمي واستشراقي) لكن مجموع ما وجده وضعه في كتيّب.
كلّ الأنظمة العربية استخدمت التعذيب قبل عبد الناصر وبعده، والتعذيب عمّ سجون أميركا في العراق. القتل؟ لو جمعنا عدد الإعدامات في العصر الناصري لوجدنا أنّها أقلّ من عدد الإعدامات في السعودية أو في إيران في شهر. يستطيع جنبلاط اليوم أن يربط القمع بـ»الأنظمة العسكريّة»، لأنّها لم تعد موجودة إلّا في مصر.
تحالف جنبلاط مع النظام السوري القمعي لعقود طويلة كما تحالف مع النظام اللّيبي (وأرسل له مقاتلين مقابل المال للحرب في تشاد) لكنّه قطع العلاقة بعد توقّف التمويل (كما روى إلياس الهراوي). وهل تأتي فرصة ما كي يكتشف جنبلاط القتل والتعذيب في الأنظمة الخليجيّة غير العسكريّة أم أنّ الاكتشاف هذا يتعارض مع الواقع الإقليمي المُهيمن اليوم؟ ولماذا يستمرّ الإعلام الخليجي في ضخّ بروباغاندا ضدّ عبد الناصر؟ في الحلْقة الأولى انتشى أحمد منصور عندما تحدّث جنبلاط عن «تحالف» أميركي مع عبد الناصر في ١٩٥٨ في لبنان. لم يكن تحالفاً: كان تفاهماً ظرفيّاً لتجنيب لبنان فتنة ولم يتوقّف الصراع، قبل وبعد، بين عبد الناصر وأميركا. لماذا تكون الذاكرة دوماً في خدمة الخليج؟
