على بالي

وُلدت رندة الخالدي لوالدَين فذَّين (عنبرة سلام وأحمد سامح الخالدي)، وشكّلَ الأولاد (وليد وسلافة وأسامة وطريف ورندة) أفذاذاً تفوّقوا في العلم والمعرفة وفي نذْر النفس للقضيّة الفلسطينيّة. سمعنا برندة الخالدي للمرّة الأولى في عام ١٩٧٤ عندما شاركت، مع أخيها وليد الخالدي، في ترجمة خطاب عرفات في الأمم المتحدة إلى اللّغة الانكليزيّة. وهي، مثل كلّ إخوتها، متضلّعة في اللّغة الانكليزيّة ودرست الأدب الإنكليزي في جامعة أوكسفورد.
روايتها «سيرة غير بطوليّة» (وهي تؤكّد في البدء أنّها من وحي الخيال ولا تستند إلى الواقع) عملٌ أدبيّ رفيع. قلمُها رشيق وسرْدها ممتع وأسلوبها فريد وملاحظاتها لمّاحة. الرواية تحكي عمّا هو مسكوتٌ عنه في المجتمع: قد تكون الخالدي في روايتها الخيالية أوّل كاتبة عربيّة تتطرّق بصراحة إلى واقع زوجات الديبلوماسيّين في العالم وهوَس الرجل الديبلوماسي عامةً برضى وزير الخارجيّة وبصعود السلّم الوظيفي (هذا الموضوع كُتب عنه في الغرب)، كما أنّها جريئة جدّاً في الحديث عن الحياة الزوجيّة.
بطلة الرواية متحرّرة كليّاً من عُقَد الوجاهة والمظاهر والثروة وتتحدّث عن حياة زوجيّة بائسة مع «حسّان» الذي فقد الحسّ الإنساني والعاطفي وحتى الأبوي. الرواية لا تتطرّق إلى أولاد العائلة لأنّ التركيز كان على العلاقة بين الزوجَين. أصعب لحظة في القصّة عندما حاولت الزوجة إغواء «حسّان» بعد سنوات من التجاهل والبرودة لكنّه صدّ زوجته بصلافة. زالت فكرة الرجل من خيالها منذ تلك اللّحظة. تقرأ الكتاب وتتشوّق لمعرفتها عن قرب. حلمت بالتفرّغ للتعليم الجامعي لكنّ الحياة حرمتها من شغفها لأنها التحقت بزوجها من بلد إلى بلد.
البساطة تشغل بطلة الرواية «غير البطلة» حسب الكاتبة، لكنّها بطلة بكلّ ما للكلمة من معنى لأنّها لم تتنازل ولم تنجذب للسطحيات. انشغلت في الزراعة المنزليّة في سنوات التقاعد. وقضيّة فلسطين حاضرة في الرواية، وكيف يمكن أن تغيب عن بال ابنة القدس التي حملت ذكريات عن حياتها الهانئة قبل النكبة. هذه رواية أخّاذة وبليغة وتنضمّ إلى أدب السيرة، الواقعيّة أو المتخيَّلة. هي قدوة نسويّة عربيّة من دون جهد أو وعظ.
