على بالي

كم أنّ سِجالات المثقّفين اللّبنانيّين تعكس طغيان النموذج الخليجي على الجميع، وبخاصّة المتعلّمين في المدارس الغربيّة. هؤلاء يريدون الصوت الواحد والحزب الواحد (حزب الأمير أو الشيخ أو سوروس) ولا يريدون تعدّديّة سياسيّة. هؤلاء أدرجوا أساليب مبتكرة في فرض الصوت الواحد: ابتكروا بدعة أنّ أيّ نقْد لهم أو لأنظمتهم هو شتيمة، وأنّ أيّ تعرّض لمواقفهم السياسيّة هو اغتيال سياسي. هم يريدون إغلاق ساحة المناظرة العامّة.
إنّ سقوط النظام اللّيبي والعراقي حرمهم من مصدر رعي مالي بديل عن الخليجي. هؤلاء أعداء للديموقراطيّة. كان عندهم أنّ المنطقة تزخر بالديموقراطيّات، من الخليج إلى تل أبيب، وأنّه لا ينغّص الحفلة الديموقراطيّة إلّا النظام البعثي والنظام الإيراني.
بعد سقوط نظام الأسد لم يعد أحد من هؤلاء يتحدّث عن الديموقراطيّة. انتهى التاريخ عندهم عندما استقام النظام العربي الرسمي على طغيان خليجي مُحكَم. يتسلّون هذه الأيام بحوارات بينهم: بين خطّ «ثالث» وخطّ يميني تقليدي، فيما الاختلاف البسيط ليس إلّا اختلافاً بين جريدة سعوديّة وجريدة قطريّة.
هؤلاء لم يواجهوا معضلة فكريّة منذ سنوات إلى أن نشب الخلاف بين النظام السعودي والنظام الإماراتي. تراهم يحاولون الاختباء في جزيرة نائية بانتظار حسْم النتيجة ويتمنّون حلّه، لأنّ المؤتمرات والمقابلات كانت برعاية كريمة وسخيّة من النظامَين.
لم تعُدْ تُشغلهم مسألة الديموقراطيّة حتى بعد وصول تنظيم القاعدة إلى السلطة في دمشق. هؤلاء يتحمّلون مسؤوليّة عن وصول القاعدة لأنّهم خدعوا جمهورهم وجزموا أنّ المعارضة السورية المسلّحة هي الجيش السوري الحرّ وأنّها نسويّة وديموقراطيّة وعلمانيّة.
لم يعتذر أحد من هؤلاء عن هذا التضليل الأكيد. كانوا يقولون إنّ الكلام على معارضة مسلّحة ذات منحى جهادي ليس إلّا بروباغاندا من المحور الإيراني.
هم صامتون حول الارتكابات والمجازر التي تجري في سوريا لأنّ رُعاتهم في الخليج راضون عن النظام السوري الجديد، بأمر من ترامب. الحرب الجارية تعنيهم فقط لأنّها مناسبة لتقريع المقاومات لا للتنديد بحروب إسرائيل الإباديّة. واحد من هؤلاء لم يطلع بموقف ضدّ التفاوض مع إسرائيل، ولو مع الحفاظ على معاداة حزب الله.
