على بالي

قال الصديق، كمال فغالي، أمامي اليوم: يبدو أنّ السرديّة الإسرائيليّة تتعرّض للنقد والدحض والتفكيك في كلّ العالم إلّا في لبنان. هذا بلدٌ غريب. أمس، إعلاميّة كانت تقول عن نفسها إنّها ضدّ إسرائيل (ومن دلائل نضالاتها أنّها ذات مرّة خرجت من القاعة في مقرّ الذراع الفكريّة للّوبي الإسرائيلي لأنّ أحد المتحدّثين تطرّف في كلامه--خلافاً لمتحدّثين آخرين كانوا معتدلين مثلًا؟) طالبت بالاستسلام أمام إسرائيل وأعطت مثال اليابان والبحبوحة التي رافقت خروجها من أتون الحرب الكونيّة. لكن إسرائيل ليست جارة اليابان.
ثم: مثال السلطة الفلسطينيّة ساطعٌ أمامنا. هي استسلمت بالكامل أمام إسرائيل ونفّذت كلّ طلباتها، وهي تكرّس كلّ جهودها الأمنيّة (مثل السّلطة اللّبنانيّة والسّلطة السوريّة الحاليّة) لتنفيذ طلبات إسرائيل ضدّ كلّ حركات المقاومة. وبالفعل، نجح النموذج الياباني في الضفّة. ها هي البحبوحة تعمّ الضفّة وناطحات السحاب تنطح السماء هناك، والجيش الإسرائيلي يتعامل مع الضفّة بكلّ احترام وسيادة. والمستوى المعيشي في الضفّة بات يماثل مستويات الدول الأوروبيّة.
الاستسلام هو طلب هؤلاء وبكلّ صراحة. ولبنان استسلم أمام إسرائيل قبل حرب فلسطين (حتى الحرب الأهليّة) وأرسل فؤاد شهاب إلى الحركة الصهيونيّة يُطمئنهم أنْ لا نيّات عدوانيّة في لبنان وأنّ الجيش اللّبناني لن يقوم إلّا برفْع العتب وبعيداً عن الالتزامات الموقّعة منه أمام مجلس الجامعة العربيّة. وسياق «الثوار» اللّبنانيّين بات واضحاً تماماً، منذ الحملة على أمّ جبران باسيل وشعار «كلّهم يعني كلّهم».
تبيّن أنّ مشروع هؤلاء كان منذ البداية مشروعاً للسلام والتطبيع مع إسرائيل. بعض هؤلاء كان قبل سنوات يردّد شعار «لا السعودية ولا إيران» ثم اختفت السعوديّة من الشعار. آخرون زعموا أنّ إسرائيل عدوّ وهذه تبخّرت أيضاً بعد اغتيال حسن نصرالله. العالم الغربي بات منقسماً بين شعب يكره إسرائيل وحكومات تتبع الحكومة الأميركيّة في خدمة الصهيونيّة.
تتفجّر مظاهرات عفويّة ضدّ إسرائيل في بلدات في كاليفورنيا (وشهدتُ بعضها). مرشّحو الحزب الديموقراطي يواجهون حملات عفويّة من القاعدة لفرْض أجندة معادية لإسرائيل. أمّا في لبنان، فيثقون بنيّات سِلميّة لإسرائيل ويريدون السلام والتطبيع معها.
