على بالي

قصّةُ فيصل كرامي يجب أن تُروى، وستُروى، مع أنّه ليس الوحيد الذي انقلبَ على حلفائه ورُعاته بمجرّد أن أدرك أنّ الدفّة تغيّرت وأنّ المحور الذي انضوى فيه (مع أبيه مِن قبله) تعرّض لنكسة النكسات. هو حزمَ أمره بسرعة بمجرّد أن أطلَّ العصر الإسرائيلي. عمُّه رشيد كرامي لم يلوِ مع الريح الإسرائيليّة في عام ١٩٨٢، كما أنّ أباه بقي ثابتاً بالرغم من الأعاصير التي واجهته بعد اغتيال الحريري: تعرّض لإغراءات وضغوطات وابتزازات وظُلمٍ فظيع وبقي ثابتاً لأنّه عاش ومات رجلاً مبدئيّاً.
فيصل كرامي ورث ما تبقّى من الزعامة في طرابلس لكن كان واضحاً أنّ الـ»بزنس» نالت من اهتماماته وهواه أكثر من السياسة والشأن العام. كانت تصريحاته قويّة في دعْم المقاومة لكنّ سيرته لم تعد تستطيع أن تنهض من جديد. سيتذكر الجميع أنّ اسمه بات مقروناً بالتلوّن والانتهازيّة والتقلّب والجمبازيّة السياسيّة حسب اتّجاه الريح الإقليميّة. كيف ينسى- لو تناسى-أنّ نصرالله ضحّى بمقعد وزاري شيعي فقط كي يوزّره رغْم أنف الزعامات السنيّة الطرابلسيّة والبيروتيّة ورغْم أنف القوى الخليجيّة؟
يومها لم يبدر منه الامتنان الذي كان يجب أن يبدر. كانت تلك إشارة. رأى أنّ مِن واجب المحوَر توزيره لأنّ العائلات السنيّة التقليديّة هجرت خطّ المقاومة وباعت فلسطين مقابل رضى سعودي أو إماراتي.
فيصل كرامي برز من جديد ويلهج بحمد الموفد السعودي. هو يرى أنّ إيران ما ناصرت لبنان أو الحزب. هي، على الأقل، لم تقف مثل رعاته الجدد-القدماء في الرياض: هؤلاء وقفوا مع العدوان الإسرائيلي منذ حرب ٢٠٠٦. الريح الإبراهيميّة لفحته وهو بات يتكلّم أقلّ من الماضي على اغتيال رشيد كرامي مِن قبل حليف السعوديّة الأعزّ، سمير جعجع.
لا تتعجّبنّ لو أنّ فيصل كرامي طلع عمّا قريب بنظريّة عن مسؤوليّة الحزب في اغتيال رشيد كرامي. لِمَ لا؟ إذا كان ذلك يقرّبه أكثر للحُكم السعودي الذي يحلم أن ينصّبه رئيساً للوزراء كما نصّبه نصرالله وزيراً. لكنّ الوفاء للحلفاء (الجدد والقدماء) ليس من شيَم آل سعود.
