على بالي

روبرت بيب: أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة شيكاغو. لم يختصَّ في شأن الشرق الأوسط، لكنّه، بعد ١١ أيلول، قرّرَ أن يدرس ظاهرة العمليات الانتحاريّة في العالم في القرن العشرين. أنتجَ كتاب «الاستِماتة للموت» وفيه خلصَ إلى أنّ هذه العمليّات لها محرِّك واحد (غير ديني) في كلّ البلدان، وبصرف النظر عن العقائد: الاحتلال الخارجي. أخبرني أنّه بعد صدور كتابه هذا هطلت عليه ملايين من الحكومة لإنشاء مركز لدراسة العمليّات الانتحاريّة. في الأشهر الماضية يكتبُ عن الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة ضدّ إيران. وكتبَ في «نيويورك تايمز» أنّ إيران، بعد فشل الحرب عليها وبعد اكتشافها لمضيق هرمز كسلاح استراتيجي، أصبحت دولة عالميّة عظمى بعد روسيا وأميركا والصين.
رأيتُ في الفكرة مبالغة فظيعة وبخاصّة أنّ اقتصاد إيران واقع تحت حصار خانق منذ الثورة. لكنّ قراءة مذكّرة التفاهم غيّرَت رأيي. لا يمكن أن تقرأ هذه المذكرّة إلّا وتقتنع أنّ إيران خرجت من الحرب أقوى ممّا كانت عليه، وربّما لأنّ ترامب قبِلَ بشنّ الحرب بناءً على فرضيّة نتانياهويّة مفادُها أنّها ستكون فنزويلا أخرى، أي إنّ النظام سينهار بعد مقتل القادة. أنتجت إيران وبسرعة قادة لا يقلّون صلابة عن أسلافهم. المذكّرة وضعت لبنان في الصدارة. هذه سابقة.
ليس من دولة عربيّة منذ ١٩٤٨ وضعت دولة عربيّة أخرى عنصراً في علاقاتها مع الحكومة الأميركيّة. حتى قراءة نصّ لقاء هواري بومدين مع نيكسون (وهو منشور أميركيّاً) في ١٩٧٤ يخيّب الآمال، إذ إنّ بومدين (الذي كان يجاهر بمواقف رفضيّة عن القضيّة الفلسطينيّة) صارح نيكسون بأنّ الجزائر سيقبل بما تقبل به منظّمة التحرير (أي موقف عرفات الذي كانت الجزائر تعارضه). قبلت أميركا صاغرة بشروط إيران لأنّ الأخيرة قامرت: راهنت أنّ تعنّتها لن يؤدّي إلى عودة الحرب لأنّ ترامب أدرك أنّها مشروع فاشل. والرهان ناجح حتى الساعة بالرغم من محاولات إسرائيليّة مستمرّة لإشعال الحرب ضدّها. لبنان اعترض على منْحه (بالمجّان) عنصر قوة إيرانيّاً لصالحه. نواف سلام اعترض باسم السيادة قبل أيّام من سفره إلى مرفأ بيروت لتوديع حاوية سعوديّة.
