على بالي

غياب منير الصيّاد لم يكن كغياب غيرِه من زعماء الحركة الوطنيّة. الرجل كان مختلفاً ورومانسيّاً في التزامه الوطني والعروبي الناصري. لا، لم يكنزِ الذهب والفضة ولم يلتحق بعد الحرب بزعماء المال والمصارف والطوائف. بقي وحيداً مع أحلامه وتطلّعاته.
الاتّحاد الاشتراكي العربي-التنظيم الناصري كان تنظيماً صغيراً لكنّه تميّز بالابتعاد عن الاستعراض والمظاهر، خلافاً لقيادة إبراهيم قليلات لـ»المرابطون» أو غيره. الصيّاد يطوي في غيابه صفحات مجهولة من تاريخ بيروت المقاوِمة. أدّى تنظيمه الصغير دوراً في حماية بيروت في حرب الفنادق في ١٩٧٦ لكن من دون مؤتمرات صحفيّة. دوره الأكبر كان في حصار بيروت والقتال ضدّ الاحتلال الإسرائيلي بعد اغتيال بشير الجميّل.
نذكر في فصول تلك المرحلة تنظيمات في الحركة الوطنيّة: الحزب الشيوعي ومنظّمة العمل الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب العمل الاشتراكي العربي-لبنان. تنظيم الصيّاد أدّى دوراً بارزاً وبخاصّة في محور الكولا-الجامعة العربيّة. صواريخ الـ»أر.بي.جي» أعاقت تقدّم القوات الإسرائيليّة.
الصيّاد تعاون مع تنظيمات أخرى، كحزب العمل في محور، ومع بعثيّين عراقيّين في محور آخر. لم يتقاعد عن السياسة. الإعلام غاب عنه في زمن يظهر فيه تغييريّون وتغييريّات على شاشات المحطّات الثلاث مقابل أموال تدفعها دول خارجيّة (خليجيّة وغربيّة). الصيّاد لم يكن من طينة هؤلاء. الرجل منذ أن عاد من مصر بعد وفاة عبد الناصر وهو مشغول بترتيب البيت الناصري.
لعلّه أكثر مسؤول عمل على تجميع التنظيمات الناصريّة وتوحيدها حتى في السنوات الأخيرة. لكنّه لم ينجح لأنّ الآخرين لم يكونوا مثله ناكرين للذات. عمل مدرّساً للرياضة البدنيّة في مدرسة مقاصديّة وكان يجنّد الأشدّاء للقتال في تنظيمه. بعض الذين استبسلوا في صيف ١٩٨٢ كانوا من تلاميذ الصيّاد.
منير الصيّاد، لم يولِم لقادة المخابرات السوريّة مثل غيره. منير الصيّاد لم يتحرّك في مواكب وقوافل، مرتدياً نظارات سوداء ومحاطاً برجال مفتولي العضلات. الأهم: منير الصيّاد لم يغيّر مكان سكنه. عين المريسة هي معقله وبقيت معقله لأنّه ابن أهله. هو من قلّة من قادة الحركة الوطنيّة الذين حافظوا على احترام الناس.
