"يجب أسرلة أمننا"، قالها علناً هيرفي موران من دون أن يرفّ له جفن في صحيفة لو فيغارو في عددها الصادر في 26 تموز. ففي حقبة ما بعد الاعتداءات التي أظهرت الطبقة السياسية الفرنسية بأقبح صورة، يحاول وزير الدفاع السابق أن يصنع لنفسه مكانة خاصة، ولكن كان الأحرى به أن يفكر جيداً قبل أن يحاول لفت النظر بأي ثمن.

بالطبع، انطلاقاً مما تفرضه اللعبة السياسية، لا يمكن الرئيسَ الحالي لمنطقة النورماندي أن يبقى صامتاً، ولكن كان الأحرى به أن يفكر كثيراً قبل أن ينطق بالتفاهات. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ثلاث ملاحظات: فالإرهاب بشكله وأهدافه ومطالبه ينبثق دائماً عن الحالة الجيوسياسية. ولحسن الحظّ، الحالة الفرنسية تختلف تماماً عن السياق الإسرائيلي ــ العربي. فإسرائيل كانت أول من أطلقت الإرهاب المعاصر في الشرق الأوسط قبل أن تحوّله إلى سياسة دولة.
وكذلك لا بدّ من الإشارة إلى الأداء السيئ لهيرفي موران على رأس وزارة الدفاع: من تخفيض عديد قواتنا المسلحة بـ50 ألفاً إلى غيرها من القرارات الهزلية التي اتخذها...
بعد هذه الدعوة لـ"أسرلة أمننا"، لم يعط هيرفي موران أي تفسير ملموس لهذا الشعار الدعائي. ولكن أي شخص زار ولو لفترة قصيرة الأراضي الفلسطينية المحتلة يدرك تماماً ما الذي يعنيه ذلك: حواجز عسكرية لا تعدّ ولا تحصى، جدران عزل وكتل اسمنتية في كلّ مكان، بناء مستوطنات محصنة على امتداد خطوط التماس، مضاعفة عديد القوات الخاصة، القوانين الاستثنائية، تسليح المستوطنين المدنيين، زرع الفاشية... هذا ما يريده هيرفي موران المسكين لفرنسا!
فهذا الإعجاب بإسرائيل وسياساتها الاحتلالية والاستيطانية والقمعية لطالما شكل هوس مرشده فرنسوا ليوتار ــ رجل التمويلات السرّية لحملة إدوار بالادور الانتخابية... كما أن الدبلوماسيين الأميركيين العاملين في باريس فرحوا لتعيين هيرفي موران وزيراً للدفاع في 18 أيار 2007 (بحسب المراسلات التي سربها موقع ويكيليكس)، حيث قالوا إن "قربه من السفارة الأميركية وصداقته المباشرة والعلنية للولايات المتحدة يجعلان منه النائب الأكثر تأييداً للتعاون الأطلسي..."

أسرلة الجهل!

عبر قوله "لا يجب أن نتردد في أخذ العبر من الإجراءات التي اتخذتها أكثر دولة ضربها الإرهاب، وأعني بذلك إسرائيل بشكل خاص" يظهر هيرفي موران جهلاً صارخاً. فمن خلال الاستمرار في بناء المستوطنات غير الشرعية وإلحاق الأراضي الفلسطينية بإسرائيل والسيطرة على المياه الجوفية في المنطقة ورمي مياه القاذورات والمياه المبتذلة في القرى والتجمعات الفلسطينية، تصنع إسرائيل الإرهاب بنفسها. إن كاتب هذا النصّ سبق أن عاش في بيت لحم ورام الله وغزة، حيث أحياناً في أيام الصيف كان ترشيد المياه يعني أن يحصل الفلسطينيون عليها لثلاث ساعات في اليوم فقط، فيما يشاهدون خلف أسوار المستوطنات مستوطنين يسبحون في أحواض السباحة ويسقون العشب ويغسلون سياراتهم بمياه وفيرة. لقد رأى نساءً فلسطينيات يلدن أطفالهن في السيارات عند الحواجز بعد انتظارهن لساعات، ومزارعين فلسطينيين أجبروا على إنزال صناديق الطماطم التي راح الحراس يتفحصونها حبّة حبّة بطريقة استفزازية، وعمّالاً منعوا من اجتياز الحدود بدون أي مبرر...
إذاً، ليس من المفاجئ أن يلجأ سكان يتعرضون لممارسات احتلالية مذلّة يومياً إلى العنف من حين إلى آخر.
أن يثور أولاد بلا مستقبل ــ يعيشون في سجن كبير بين قمامة المستوطنات الإسرائيلية المجاورة، ما هو إلا ردّة فعل على ظروف الحياة التي يولدها إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل وتبقي عليه عن قصد وتديره بطريقة علمية من أجل تبرير القوانين الاستثنائية القاتلة والمدمرة للحرية. بالتالي، لا يمكن السماح لأي "غبي نافع" بأن يدعي أن إرهابيي باتاكلان هم أنفسهم الذين يهاجمون بالسلاح الأبيض الجنود والمستوطنين الإسرائيليين المدججين بالسلاح! فالإرهاب الذي تصنعه السلطة الإسرائيلية على إدراك منها، ليس له لا الأسباب ولا المطالب ذاتها مثل تلك التي تدفع من يقتل متنزهين في نيس أو يذبح قساً مسيحياً!
من خلال تمجيد المنظومة الأمنية الإسرائيلية، أظهر هيرفي موران جهلاً مطلقاً بالتاريخ الفلسطيني والإسرائيلي. لذا لا بدّ من أن نسرد الأحداث التالية لنذكره بأن أصدقاءه في إسرائيل كانوا أول من لجأ إلى الأساليب الإرهابية.
منذ عام 1937، قادت مجموعتان إرهابيتان ثورة على الانتداب البريطاني: الإرغون والهوماي هيريت إسرائيل (مقاتلو الحرية من أجل إسرائيل) المعروف بجماعة ستيرن. انشقت هذه المنظمة عن الإرغون وكانت بقيادة ميناحيم بيغين الذي أصبح سادس رئيس حكومة لإسرائيل من حزيران 1977 إلى 1983. أدخلت هاتان المنظمتان الإرهاب إلى الشرق الأوسط منذ بداية ثلاثينيات القرن الماضي من خلال زرع العبوات في الأسواق الفلسطينية واستهداف الحافلات المدنية بالقنابل.

عودة إلى الإرهاب الإسرائيلي

كانت تقنيات الإرغون فتاكة ومرعبة ألهمت لاحقاً الجماعات الإرهابية حول العالم، في فترة زوال الاستعمار وما بعدها. بعد سلسلة اعتداءات نفذتها جماعة الإرغون، أطلقت السلطات البريطانية في 29 حزيران 1946 عملية أغاثا الهادفة إلى تفكيك هذه المنظمة الإرهابية. وتمت مصادرة وثائق تحوي معلومات مهمة بالأخص عن الهاغانا (وهي منظمة إرهابية أخرى تأسست عام 1929 وتمّ دمجها لاحقاً في الجيش الإسرائيلي عام 1948) في الوكالة اليهودية، كما تمّ اكتشاف مخازن أسلحة واعتقال الآلاف.
في 22 تموز عام 1946، توقفت شاحنة توصيل عند مدخل العمّال في فندق الملك داود في القدس. تنكّر ناشطون من الإرغون بزيّ موظفين فلسطينيين ليتسللوا إلى الداخل. وكان هذا المبنى الفخم يضمّ في جناحه الجنوبي مقرّ الأمانة العامة للحكومة البريطانية ودائرة التحقيق الجنائي.
زرع الإرهابيون عبواتهم في الطبقة السفلية من المبنى. ثم انسحبوا بحركة وقع خلالها تبادل لإطلاق النار وفرّوا من بعدها. وعند الساعة 12:37، دوّى انفجار قوي في المبنى أدى إلى انهيار الجناح الجنوبي ودفن العشرات تحت الركام. أجمع المجتمع الدولي على إدانة هذا التفجير الذي أودى بحياة 91 شخصاً وإصابة 46 بجروح، ودفع الحكومة البريطانية إلى انسحاب تدريجي من فلسطين.
وما بقي إلا رصاصة الرحمة. فبغد الإعلان عن خطة التقسيم في 29 تشرين الثاني عام 1947 التي تنصّ على إقامة دولة عبرية على 20% من أرض فلسطين، على أن يلحق الباقي بشرق الأردن، اندلعت مواجهات جديدة بين اليهود والفلسطينيين. في 9 نيسان 1948 وقعت مجزرة دير ياسين حيث أعدم 120 إرهابياً من الإرغون والستيرن 254 قروياً فلسطينياً. وكان لهذه المذبحة الهادفة إلى ترويع المدنيين الفلسطينيين (والتي يتحمل ميناحيم بيغن مسؤولية كبرى فيها) تداعيات كبرى على مسار الصراع. فرّ حوالى 800 ألف فلسطيني أو طردوا من منازلهم وقراهم، في ما يعرف اليوم بالنكبة.

أعدّ موران قانوناً يدعو إلى الاعتراف بضحايا التجارب النووية الفرنسية

وفي ظلّ هذه الأجواء المشحونة، أعلن رئيس الوكالة اليهودية ديفيد بن غوريون استقلال الدولة الإسرائيلية في 14 أيار عام 1948 وتولّى منصب رئيس الحكومة. عُيّن الدبلوماسي السويدي الكونت فولك برنادوت، الذي كان قد سبق أن فاوض على تحرير 15 ألف سجين من معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية، وسيطاً أممياً في فلسطين في 20 أيار 1948. وكانت مهمته السعي إلى وقف المواجهات والإشراف على تنفيذ خطة التقسيم التي رفضها الجانبان. وأطلقت بعدها الأوساط اليهودية حملة إعلاميةً محرضة على برنادوت.
في تموز عام 1948، هددت مجموعة ستيرن الدبلوماسي السويدي بالقتل. وفي شهر آب، قرر قادة المجموعة تنفيذ تهديدهم. في 16 أيلول، اقترح الكونت برنادوت خطة تقسيم جديدة رفضتها إسرائيل والدول العربية مجدداً. وفي اليوم التالي، في 17 أيلول 1948، كان برنادوت يقوم بجولة تفقدية في حيّ كاتامون في القدس. وكان موكبه يتألف من ثلاث سيارات ترفع أعلام الأمم المتحدة والصليب الأحمر. وكانت السيارة الأخيرة من نوع كرايسلر تضمّ الوسيط السويدي وضابطاً فرنسياً ملحقاً بالأمم المتحدة وهو الكولونيل أندريه سيرو.
لم يكن أي من أفراد الطاقم مسلحاً، فيما كان من المعروف أن برنادوت لطالما رفض ارتداء سترات واقية من الرصاص.
فجأة، اندفعت عربة جيب من شارع ضيق واعترضت طريق الموكب ونزل منها ثلاثة رجال يرتدون زيّ الجيش الإسرائيلي. وبتنا نعرف اليوم أن عملية الاغتيال كانت من تخطيط زيتلير قائد منطقة القدس، فيما أوكل القيادي المخضرم في ستيرن يهوشوا كوهين بالتنفيذ. أمّا المنفذان الآخران فكانا اسحق بن موشي و"جينجي" زينغير، وسائق الجيب كان ميشولام ماكوفير. فتح الكونت برنادوت نافذة السيارة وأطلّ برأسه ليرى ما يحدث. فتوجه نحوه كوهين وأفرغ مسدسه بالراكبين الاثنين. أصيب برنادوت بستّ رصاصات بذراعه اليسرى وحلقه وصدره، فيما أصيب الكولونيل سيرو بـ18 رصاصة، ومات الاثنان على الفور.
تمّ الإجماع على إدانة هذا العمل. وفي خلال 24 ساعة أوقف 250 عضواً في ستيرن وحلّت المجموعة رسمياً. وأكد زيتلير أنه حصل على وعد صريح من وزير الداخلية اسحق غرونباوم الذي قال له "ستتم إدانتك من أجل إرضاء المجتمع الدولي ثمّ سيتم العفو عنك." وفي الواقع أن المسؤولين الرئيسيين عن العمليات الإرهابية التي نفذتها ستيرن يالين مور ومساعده ماتياهو شمولوفيتز الذين حكم عليها في 2 شباط 1949 بالسجن لعدة سنوات ليس بتهم القتل بل بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، تمّ الإفراج عنهما بعد أسبوعين. وقد استفاد جميع المعتقلين الآخرين المنتمين إلى المنظمة من عفو عام. انتخب ناثان يالين مور لعضوية الكنيست في كانون الثاني 1949، فيما أصبح مطلق النار ييهوشوا كوهين الحارس الشخصي لبن غوريون في الخمسينيات. وتولى الإرهابي اسحق شامير، رئيس عمليات ستيرن منصب رئيس وزراء إسرائيل لدورتين.

منجزات وزير غير كفؤ

ولكن هل منجزات هيرفي موران في وزارة الداخلية تخوله أن يتحدث عن الإرهاب؟ ما ان تولى منصبه عام 2008 حتى رضخ لمطالب محققي وزارة المالية المهووسين بوفورات الحجم والتخفيضات في الميزانية. كما واجه تحديات في شغله منصب وزير الدفاع، حيث تذمر العسكر من "عدم تعبئته لمركزه ونبرته الهزلية ووقاحته غير المحمولة" بعدما كانوا قد اعتادوا الأسلوب الصارم الذي كانت تعتمده سليفته ميشال أليو ماري. في حزيران 2008 حين صدر كتابLivre blanc sur la Défense et la Sécurité nationale نشر ضباط كبار في القوات البرية والبحرية والجوية (تحت اسم سوركوف) في صحيفة لو فيغارو في 19 حزيران 2008 مقالاً انتقدوا فيه بشدة القرارات المتخذة والتي اعتبروا أنها تدلّ على "تنزيل عسكري". ورفض هيرفي موران هذه الاتهامات، على الرغم من أنها كانت بالأرقام.
لقد دعم موران خطة تخفيض عديد القوات المسلحة بـ50 ألفاً. وأغلق المراكز المكلفة باحتساب أجور العسكريين وفرض اعتماد برنامج الإدارة Louvois  على الرغم من مخاطر "انقطاع الاستمرارية في خدمة الأجور العسكرية". وبأسلوب يثبت عدم احترافيته، دافع هيرفي موران عن نفسه ساخراً حيث قال "اتخذت القرار ولكنني لم أضغط على الزرّ." ثمّ عاد خلفه جيرار لونغيه ليصحح وقال "حين وصلت، كانت طلبات العروض قد بدأت والإجراءات قد انطلقت للأسف." وكان سؤال طرحه هيرفي موران بعدما أصبح نائباً على خلفه الاشتراكي بخصوص نظام Louvois قد أثار بعض موجات الضحك في الجمعية الوطنية.
بصفته وزيراً للدفاع، أعدّ هيرفي موران قانون 5 كانون الثاني 2010 المعروف بـ"قانون موران" ودعا إلى التصويت عليه، وهو يتعلق بالاعتراف بضحايا التجارب النووية الفرنسية في بولينيزيا الفرنسية وصحراء الجزائر. وشكل ذلك اعترافاً تاريخياً ورسمياً بالأضرار الصحية التي نجمت عن التجارب النووية. إلا أنه ظهر سريعاً أن المرسوم التطبيقي الأول حصري جداً، وتعهد رئيس الجمهورية في بداية 2011 بإصدار مرسوم جديد يوسع المناطق الجغرافية والأمراض التي يتم أخذها في عين الاعتبار. يا له من نجاح آخر!
في تموز 2014، تلقى موران انتقادات من خلفه الاشتراكي جان إيف لو دريان الذي قال "حين وصلت، تسلمت إرثه […] وما الذي كان في إرث السيد موران؟ أولاً، نظام أجور العسكريين، الذي أطلق عليه اسم نظام Louvois وهو نظام بالغ التعقيد يهدف الى دفع أجور الجنود، فيما لا يتم الدفع لهم... وإن تحدثنا اليوم عن المعنويات المنخفضة للجنود، فيعود ذلك بجزء منه إلى وجود نظام موران هذا. كما أنه لم يشتر الطائرات بدون طيار التي نحتاج إليها كثيراً... ولم يطلب الطائرات التموينية التي نحتاج إليها. ونظّم قواعد الدفاع بشكل لا يصدق وبكثير من التعقيد الإداري..." باختصار، هو لم يحقق شيئاً!
إن كاتب هذه الأسطر استقبل شخصياً وزير الدفاع هيرفي موران عدة مرات في إذاعة عامة. ولم يكن من المفاجئ عدم معرفته القوى المختلفة في القوات العسكرية وعجزه عن التمييز بين غواصة هجومية نووية وغواصة صواريخ باليستية. وبالصدفة في خلال البحث بالأرشيف (لو فيغارو 5 آذار 2016، وجدنا هذا التصريح المضحك من قبل رئيس منطقة النورماندي "الوصفة السياسية الوحيدة التي لم تجربها فرنسا لتحقيق النموّ وفرص العمل هي الليبرالية."
إن انعدام الكفاءة هذا الذي لا يوازيه إلا تعجرفه المعروف الذي جعله محطّ كره كبار الضباط والجنرالات يجب أن يدفعه إلى الصمت، أولاً احتراماً للضحاياً وثانياً لذكاء العسكريين والمواطنين الفرنسيين.
من أجل خير فرنسا، اصمت هيرفي موران!
* رئيس تحرير موقع prochetmoyen-orient.ch